هل فعل القراءة حالة انعزالية أم طريقة أخرى للعيش مع البشر؟
لا أستطيع أن أتذكر متى بدأت القراءة تتحول عندي من عادة صغيرة إلى طريقة خفية للنظر إلى هذا العالم. في البداية كانت تلك الكتب التي أطالعها مجرد أسباب أو لنقل وسائل أطفي بها ذلك الفضول الذي يتملكني نحو كل جديد؛ كانت إحدى تلك الهوايات النبيلة التي أحاول ملء الأوقات الثقيلة بها تلك الساعات التي لاتخلص بسهولة، أو حتى تلك الرغبة البسيطة في معرفة أشياء لا أعرفها. لكنني مع الوقت اكتشفت أن القراءة لا تضيف إلى الإنسان معلومات فقط، ولكنها تعيد تشكيل علاقته بنفسه وبالناس وبالحياة كلها بطريقة بطيئة لا يشعر بها إلا بعد مرور سنوات من ممارستها.
كثيرا ما سألت نفسي في ساعات خلوتي معها: هل القراءة عزلة تامة فعلا كما يقال عنها؟ لأن صورة القارئ في أذهان الناس تكاد تكون ثابتة ومؤطرة بإطار محدد: إنسان وحيد، يجلس بعيدا عن الضجيج البشري، محاطاً بأوراقه وكتبه وبصمته الطويل والعميق . حتى أنا كنت أرى الأمر من هذا المنظور وبهذه الطريقة في بداياتي المتواضعة، وكنت أظن أن القراءة هي نوع مهذب للانسحاب من هذا العالم، وكأن القارئ في أعماقه أختار أن يستبدل البشر بهذه الصفحات.
لكنني كلما عشت أكثر بين هذه الكتب، ازددت شكاً في هذا التصور البسيط والمختزل. لأنني اكتشفت أن الإنسان حين يقرأ لا يبتعد عن البشر تماماً، ولكنه يلج إليهم من زاوية جديدة ويعود لهم بطريقة أخرى؛ طريقة لا تعتمد على اللقاء المباشر، ولا على الكلام السطحي العابر، ولكن يلتقي بهم في ذلك الإتصال العميق بأرواح الآخرين وهم في أكثر لحظاتهم صدقاً وضعفاً.
في الحياة اليومية التي نعيشها لا نستطيع أن نجزم بأننا نعرف الناس ونخبرهم كما نعتقد فكل إنسان كل فرد منا على هذه الأرض يحمل وجهاً يقدمه للعالم، وطريقة كلام اعتادها في لقاءاته معهم وصورة خاصة به يحاول الحفاظ عليها أمام الآخرين. أما في الكتب، خصوصا الكتب التي كتبت بعمق ومصداقية أخلاقية، فإنها تظهر الإنسان غالبا بصورة أقل اندفاعيه في الدفاع عن نفسه الكاتب الحقيقي لا يمنحك أفكاره خالصة، ولكنه يمنحك معها ارتباكه، وتردده، وخوفه، و تناقضاته الصغيرة التي لا يلحظها هو بنفسه وإنما يكشفها له الآخرين .
أشعر أحياناً أنني عرفت بعض الكتّاب لطول اتصالي بهم من خلال كلماتهم وأعمالهم أكثر مما عرفت أشخاصا عاشرتهم لسنوات طويلة الجاحظ و التوحيدي ومونتين وبورخيس وسواهم ليس لأن تلك الكتب لها عين ساحرة تكشف كل شيء، وإنما لكونها تسمح لنا أن نعيش داخل وعي إنسان آخر لبعض الوقت وهذا في حد ذاته تجربة غريبة وعميقة: أن تجلس وحدك في غرفة صامتة، بينما عقلك يمتلئ بأصوات بشر عاشوا في أزمنة مختلفة، وتكاد تشعر أحيانًا أنهم يفهمون شيئًا فيك لم تستطع أنت نفسك أن تفهمه وتستنطقه.
أحد هذه الأسباب التي جعلتني ألتفت إلى القراءة وأتناولها بشكل مختلف بأن القارئ الحقيقي لا يعيش وحيداً تماما، ففي أكثر لحظات عزلته لديه من يؤنسه فكرة يتأملها في نفسه أو قراءة نص يناقش فيها صاحبها بصخب هادئ هناك دائما أصوات تقف بالضد بداخله، وجمل ماتزال تسير عرجاء عالقة في ذاكرته، وطرق مختلفة وشعاب ملتوية تقوده نحو العالم أستعارها من أشخاص لم يلتق بهم أبداً القراءة بهذه المعاني ليست هروباً من البشر ولكنها شكل آخر من أشكال العيش معهم من خلال اللغة.
لا يمكنني أن أنكر أن القراءة تغيّر علاقة الإنسان بالناس وبمحيطه بشكل عام فالقارئ الذي طال مكوثه مع الكتب واصطحبها سنوات من عمره يصبح فيها أكثر حساسية للكلام السطحي، وأكثر تعباً من ذلك الضجيج المتواصل، وأكثر ميلا إلى الصمت أحيانا. ليس تكبراً منه كما يعتقد بعضهم، ولكن من اعتاد الحياة الفكرية العميقة يصعب عليه العودة إلى تلك العلاقات السريعة التي تمر عليه فوق سطح المعاني دون أن تتوقف عندها.
وألاحظ هذا في نفسي بعد ساعات طويلة من القراءة أشعر أحياناً أن العودة إلى العالم تحتاج مني جهداً خفياً أحاول مقاومته ، كأنني كنت في مكان أبطأ في الحركات وأكثر عمقاً واتصالاً بالذات، ثم اضطررت فجأة إلى الدخول في إيقاع سريع لا يمنحني فرصة كافية للتأمل وقراءة ملامحها وربما لهذا أقول يبدو كثير من القرّاء الذين ألتقيت بهم كأنهم يحملون مسافة داخلية بينهم وبين عوالمهم التي يعيشيون فيها، لقد خالطتهم لذة عميقة من الإدراك فقد لحس لسان الوعي أذهانهم يرون في الحياة أسرار خفية عن البشر لا يرونها بأبصارهم ولكن يلتمسونها في جوهر أعمق قليلاً منها تدركها الذات الفاعلة تسمى البصيرة.
القراءة لا تمنحنا السكينة دائماً كما يتخيلها بعض القراء الرومانسيون أحياناً تفعل فيك عكس ذلك تماماً. لأنها تكشف لك تعقيد البشر وعمقهم الذي لايدركونه هم لأنهم اعتادو عليه أو لم يبالوا به، وتجعله أقل قدرة على إطلاق الأحكام السهلة والسريعة، وأكثر ضبطاً ووعياً باضطرابات النفس الإنسانية. فالإنسان الذي لا يقرأ قد يرى الناس بوضوح بسيط: هذا جيد، وهذا سيئ، وهذا صادق، وهذا منافق. أما القارئ فغالباً ما يصبح أقل يقيناً من غيره وأكثر تردداً في آرائه؛ لأنه شاهد دروس في جوف تلك الكتب شاهد كم أن الإنسان مخلوق متناقض يجمع في ذاته الأضداد، يحمل الخير والشر معاً ويحمل القوة والضعف في الوقت ذاته.
وأحياناً أشعر أن هذه القراءة تجعل الإنسان يعيش أكثر من حياة واحدة وهذا ماقاله الأستاذ العقاد. ليس بمعنى قوة الخيال فقط، ولكن بمعنى الوعي أيضاً. القارئ العميق يحمل بداخله تجارب لم يعشها بنفسه، ومواقف مؤلمة لم تقع له، وأسئلة لم يكن ليفكر فيها لولا أنه قرأها في عقل إنسان آخر. وهذا يوسّع أعماقنا بشكل دقيق وبطريقة يصعب علي شرحها. كأن الروح فينا تصبح أوسع من نطاق العمر البشري المحدود.
والمفارقة التي لا أستطيع تجاهلها هي أن القراءة، كلما قرّبتني من البشر، في فهمهم وتأملهم زادتني أيضاً شعوراً بالوحدة أحياناً تجاههم. لأن الكتب تمنح الإنسان صورة عميقة جداً عن الحوار الإنساني، ثم يعود إلى الواقع ليجد كثيراً من نماذج تلك العلاقات قائمة على العجلة والسطحية والحديث العابر اللامجدي فيشعر في نفسه بشيء من الغربة الفكرية
ومع ذلك كله، لا أظن بأن القراءة تجعل الإنسان أفضل بالضرورة، ولكنها تجعله أكثر امتلاءً بالحس الإنساني إن وجدت فيه تلك البذور ستنمو فيه إنساناً. فالقارئ لا يحمل أفكاره وحده، بل يحمل آثار مئات الأرواح التي مرت داخله عبر السنين بشكل خفي ويظن أنها خرجت منه . ولهذا يبدو لي أن الإنسان الذي يقرأ كثيرا لا يعيش عمره وحده، بل يعيش أعمارًا متداخلة، وأصواتًا متعددة، وتجارب تمتد أبعد من حدود حياته الشخصية كما قال العقاد. العزلة الحقيقية ليست أن تجلس وحدك مع كتاب، بل أن تعيش بين الناس دون أن تفهم شيئا من قلقهم وفرحهم وضعفهم. أما القراءة، فعلى الرغم من صمتها الطويل، فهي تجعل الإنسان أقرب إلى البشر بطريقة خفية وعميقة؛ لأنها تزيل شيئًا من الوهم الذي يجعل كل واحد منا يظن أنه وحده في هذا التعب الإنساني الكبير.
هناك شعور يراودني أحيانا أن المكتبات ليست أماكن لحفظ الكتب والمعلومات والأفكار، ولكنها أعمق من ذلك بكثير هي أماكن تحفظ لنا جميع محاولات البشر القديمة لفهم أنفسهم. فكل قارئ منا يدخل إليها لا يبحث عن معرفة فيها، إنه يبحث، دون أن يعترف بذلك بطبيعة الحال، عن رفقة داخلية تخفف عنه شعور العزلة الثقافية أمام هذا العالم الواسع والمتقلب.
تعليقات
إرسال تعليق