المشاركات

عرض المشاركات من يونيو, 2025

مابين صمت الليل وصخب الأوراق 

في الليل حين يصمت العالم ويعود البشر إلى منازلهم عندما تغلق الأضواء وينتشر الظلام في الأرجاء،تستيقظ الأرواح التي أمتلأت بها بطون الكتب. وتبدأ المناقشات والسهرة الليلية يظهر سقراط وهو يسخر من السفيسطائيين وأفلاطون وهو يناقش تلاميذه وهناك يجلس سارتر وبوفوار يناقشان أحدهم عن الوجودية. وفي الزاوية الأخرى المعري يستمتع بتعذيب الشعراء في جهنم برسالة الغفران وفي الجانب الآخر، يخطو ابن رشد بخطوات ثابتة، ينظر إلى أفلاطون ثم يبتسم ابتسامة خفيفة، كأنه يتهيأ لمناظرة لا تنتهي عن الحقيقة والوجود والعقل. يقترب منه الفارابي، فينظر إليه نظرة العارف العتيق، ثم يقول: "ألم أقل لك إن الفلسفة لا تموت؟ ها نحن هنا، في سهرة أبدية لا يقطعها فناء ولا تنهيها سلطة!" في وسط هذا المشهد، يجلس المتنبي، يعبث بكلماته كمن يمسك بسيفه، يرقب المعري وهو يعذب الشعراء في جحيمه الساخر. يضحك طرفة بن العبد وهو يسأل: "وأين خمري؟ وهل في هذا المجلس ما يليق بي؟" فيجيبه أبو نواس من بعيد: "كل شيء هنا فلسفة، حتى الهوى ذاته صار جدلاً!" هناك، في زاوية هادئة، يكتب تولستوي صفحات جديدة في "الحرب والسلام...

خيانة المثقفين

 في عام 1927، وقف جوليان بندا، الفيلسوف الفرنسي البعيد عن الأضواء السياسية، يصرخ في وجه العصر الحديث، معلنًا أن المثقفين خانوا رسالتهم الخالدة. لم تكن صرخته مجرد اعتراض عابر، بل كانت عتابًا مريرًا كتبه في مؤلفه الأشهر خيانة المثقفين، حيث أطلق تهمةً قاسية على فئةٍ ظُنّ يومًا أنها ضمير الإنسانية: أنتم خنتم العقل. خنتم وظيفتكم النبيلة، حين انحزتم إلى جانب القومية، والسلطة، والعنف، بدل أن تكونوا شهودًا للحق، ناطقين بالعدل، حراسًا للحقيقة. المثقف، كما رآه بندا، لم يكن مجرد صاحب علم أو موهبة، بل كائن ينتمي إلى "جمهورية الأفكار الخالدة"، يكتب من أجل العدالة، لا من أجل الوطن. يناصر الإنسان، لا الجماعة. يفكر ضد التيار، لا معه. لهذا سمّاهم les clercs، أي الإكليروس العقلي، طائفة مستقلة فوق المصالح، لا تسعى إلى سلطة، ولا تنحاز إلى عصبية، بل تتكئ على العقل كقبلة، والحقيقة كغاية. لكن ما حدث في أوروبا الحديثة كان صدمة: فئة من هؤلاء المثقفين بدأت تمارس الخيانة، ليس بالكتمان، بل بالصوت العالي. أصبح الفيلسوف يبرر الحرب، والشاعر يمجّد القتل، والمؤرخ يصوغ أساطير الأمة، والروائي يكرّس الكراهية با...