الإحتباس الشعري
مرحلة الاحتباس الشعري هي أسوأ ما يمر به الشاعر، ليس لأنها تعني الصمت فحسب، بل لأنها تُشبه فقدان الحاسة التي يُدرك ويستشعر بها ذاته ومحيطه والعالم من حوله. هي ليست مجرّد توقف عن فعل الكتابة، بل هو غياب في الذات للنبض الذي كان يحرك مجرى اللغة من أعصابه إلى أوراقه . في هذه المرحلة، يتوقف الشعر بتعالي عن زيارته المعتادة، ويختفي الإلهام ويعلن عن إقلاعه، وتجفّ ينابيع الصور، ويشعر حينها الشاعر كما لو أنه قد أصبح غريبًا عن ذاته التي يعرفها، وعن الكلمات التي غاضت وطالما كانت تفيض وتنبع من بين يديه كأنهر تتوق لمصبها. الاحتباس الشعري ياسادة لا يصاب به الشاعر الضعيف وحده، بل يُداهم ويغزو أنبغ الشعراء وأعظمهم موهبة وتجربة في نسج القوافي. إنه جزء من دورة الإبداع الشعرية التي تصيب الشعراء على فترات متقطعة وكأنها مرحلة معالجة وصيانة وصقل لتلك الآلةالتي تنتج الشعر، لكنّه حين يحلّ ويتدفق من جديد وتهطل مفرداته كبَرد السماء الذي قدم بعد غياب فيروي فينا ما قد يبس وذبل، يبدو وكأنه لا ينوي الرحيل فيطيب له المقام . و يحاول الشاعر الكتابة، فلا تستجيب له القوافي، ولا تتولد في ذهنه صور جديدة، وإن ولدت بدت باهتة ...