المشاركات

عرض المشاركات من ديسمبر, 2025

الإحتباس الشعري

مرحلة الاحتباس الشعري هي أسوأ ما يمر به الشاعر، ليس لأنها تعني الصمت فحسب، بل لأنها تُشبه فقدان الحاسة التي يُدرك ويستشعر بها ذاته ومحيطه والعالم من حوله. هي ليست مجرّد توقف عن فعل الكتابة، بل هو غياب في الذات للنبض الذي كان يحرك مجرى اللغة من أعصابه إلى أوراقه . في هذه المرحلة، يتوقف الشعر بتعالي عن زيارته المعتادة، ويختفي الإلهام ويعلن عن إقلاعه، وتجفّ ينابيع الصور، ويشعر حينها الشاعر كما لو أنه قد أصبح غريبًا عن ذاته التي يعرفها، وعن الكلمات التي غاضت وطالما كانت تفيض وتنبع من بين يديه كأنهر تتوق لمصبها. الاحتباس الشعري ياسادة لا يصاب به الشاعر الضعيف وحده، بل يُداهم ويغزو أنبغ الشعراء وأعظمهم موهبة وتجربة في نسج القوافي. إنه جزء من دورة الإبداع الشعرية التي تصيب الشعراء على فترات متقطعة وكأنها مرحلة معالجة وصيانة وصقل لتلك الآلةالتي تنتج الشعر، لكنّه حين يحلّ ويتدفق من جديد وتهطل مفرداته كبَرد السماء الذي قدم بعد غياب فيروي فينا ما قد يبس وذبل، يبدو وكأنه لا ينوي الرحيل فيطيب له المقام . و يحاول الشاعر الكتابة، فلا تستجيب له القوافي، ولا تتولد في ذهنه صور جديدة، وإن ولدت بدت باهتة ...

 لم أكن وحيدًا…

لم أكن وحيدًا وكيف أكون كذلك، والشعر كان يسير إلى جانبي كعاشقٍ قديم، يضع يده في جيبي، ويلهو عابثاً في حجرات قلبي وساحة فكري كلما شعرت بالبرد؟ ضمني إليه مخففاً عني بدفء حرارته وعطفه. الشعر رفيقاً يعرف أسمي ويفهمني من صمتي ومن تلعثمي، والشعر مدينة سكنت في منازلها وسرت في شوارعها وسهرت على شواطئها وولجت محلاتها وأسواقها ومقاهي الليل الحالمة، وهو صديقًا نبيلاً لا يسألني: لماذا تأخرت؟ بل يقول: تعال أقبل كما أنت بلا تقديم أعتذار ولا تبتدئني بحوار ، أقبل بكل أطوارك متعبًا، مشوشًا، غاضباً لا عليك فهذه الأنماط المختلفة أهم لبنات بناء أساسات مادة الكتابة وقواعدها الأولى التي تقوم عليها وتدعم بنائها. كنت أمشي في الشوارع، أتامل الناس وهم يسيرون في اتجاهاتٍ ومسالك مختلفة ، أما أنا فكنت أسير إلى نفسي وألج إلى ذاتي. هناك في تلك الحجرات السرّية، كان الشعر يفتح أبوابه ونوافذه كلها دفعة واحدة، فتدخل الشمس بلا استئذان، ويدخل معها الضجيج، والضحك، والخذلان، والنسيان ورائحة القهوة، وأصوات الذكريات. كل شيء كان صالحًا وقابلاً لأن يتحوّل إلى ذلك الكائن إلى لغة ذلك العالم الساحر عالم الشعر، وفي ذلك العالم ، يُ...