في فم الحكاية يسكن الإنسان
في زاوية خفية من العقل البشري، تقيم الحكايات، وتنسج الخرافات والأساطير عباءتها العتيقة فوق وجدان الإنسان، كما تكسو الغابة الغامضة أرضها برذاذ الضباب. ليست قراءة الأعمال الخيالية والخرافية والأساطير الشعبية هواية عابرة، أو ترفًا فكريًا يتسلى به المرء في فسحة من أوقاته الفاضلة، بل هي عودة إلى النبع الأول الذي تدفق منه وعي الإنسان، وهي محاولة عميقة للغوص في مياه اللاوعي العميقة حيث تُصاغ هناك رموز الوجود، وتُخلَق العوالم لا بالحساب والمنطق، بل بالحدس والرؤى والأحلام. في بداية نشأة الحكايات لم تُكتب وتسطر على الجلود والأوراق والبرُدي العتيقة، بل رُويت على ضوء النيران، في دائرة تحلقت حولها محفوفة بالصمت والتوجس، حيث يجلس الجدّ الخبير بالحياة صاحب التجارب القديمة، بعينين تلمع كلمعان النجوم، يسرد لأحفاده عن حكايا الجنّ الذي يسكن الجبال، والغول الذي يخطف الغافلين، والعنقاء التي تُبعث من رمادِها في كل حين، والسر الذي لا يعرفه أحد إلا من عبر صحراء الروح وجاع. كانت تلك الحكايات جسرًا بين عالمين: عالم المعلوم الملموس، وعالم الخيال العجيب حيث تسكن هناك الحقيقة العارية في ثوب المجاز. وحين...