المشاركات

عرض المشاركات من أكتوبر, 2025

في فم الحكاية يسكن الإنسان

 في زاوية خفية من العقل البشري، تقيم الحكايات، وتنسج الخرافات والأساطير عباءتها العتيقة فوق وجدان الإنسان، كما تكسو الغابة الغامضة أرضها برذاذ الضباب. ليست قراءة الأعمال الخيالية والخرافية والأساطير الشعبية هواية عابرة، أو ترفًا فكريًا يتسلى به المرء في فسحة من أوقاته الفاضلة، بل هي عودة إلى النبع الأول الذي تدفق منه وعي الإنسان، وهي محاولة عميقة  للغوص في مياه اللاوعي العميقة حيث تُصاغ هناك رموز الوجود، وتُخلَق العوالم لا بالحساب والمنطق، بل بالحدس والرؤى والأحلام. في بداية نشأة الحكايات لم تُكتب وتسطر على الجلود والأوراق والبرُدي العتيقة، بل رُويت على ضوء النيران، في دائرة تحلقت حولها محفوفة بالصمت والتوجس، حيث يجلس الجدّ الخبير بالحياة صاحب التجارب القديمة، بعينين تلمع كلمعان النجوم، يسرد لأحفاده عن حكايا الجنّ الذي يسكن الجبال، والغول الذي يخطف الغافلين، والعنقاء التي تُبعث من رمادِها في كل حين، والسر الذي لا يعرفه أحد إلا من عبر صحراء الروح وجاع. كانت تلك الحكايات جسرًا بين عالمين: عالم المعلوم الملموس، وعالم الخيال العجيب حيث تسكن هناك الحقيقة العارية في ثوب المجاز. وحين...

الفكر حين يتجلى في المجاز

 "قراءة في فلسفة الشعر العربي" الشعر، في جوهره، هو التجلي الأسمى للغة حين تخرج من ضيق التوصيل إلى سعة التأويل، وحين تتحول الكلمة من أداة نفعية إلى طيف جمالي، يحمل المعنى والإيقاع والإيحاء. ليس الشعر إذن خطابًا يُكتفى بفهمه، بل كيان يُستشعر، وتُصغى إليه كما تُصغى الروح إلى ما يشبهها. هو نبضٌ من أعماق النفس، لا يتقيد بقواعد المنطق، بل يتشكّل بمنطق القلب، وينبني على الفوضى المنتظمة التي لا تستقيم إلا في مدار الإحساس. لقد عبّر الشعر عبر العصور عن حاجة الإنسان إلى الانفلات من قيد الزمان والمكان، من قيد اللغة اليومية، إلى لغة تحتمل الحلم، والدهشة، والانكسار، والتعالي. فالشعر ليس مجرد تصوير للحياة، بل هو انبثاق لحياة أخرى، تعيش داخل اللغة، وتعيد صياغة العالم من جديد. وهذا ما جعل أفلاطون، رغم تحفظه على الشعراء، يعترف أن الشاعر يمتلك جنونًا إلهيًا، لأنه يقول ما لا يقوله العقل، ويفتح أبوابًا لا تطرقها الفلسفة. أما الشعر العربي، فله خصوصية نابعة من تاريخه الثقافي العميق، ومن بنيته الجمالية التي امتزجت فيها البلاغة بالحكمة، والحس بالغيب، والفرد بالجماعة. لقد بدأ الشعر العربي في الصحراء، ...

الورقة البيضاء..

أنظر بصمت إلى دواوين الشعر المبعثرة على الطاولة، لا أمدّ يدي، لا أحرّك شيئًا، فقط أراقب كما يراقب الموج بعضه دون أن يتساءل من أين يبدأ التدفق. تراصّت الكتب كأنها في طابور انتظار طويل، ملّت الوقوف لكنها لا تملك الاعتراض، وها هي كتب الأدب العتيقة تتكوم في الزوايا، يعلوها غبار خفيف كأنه بقايا فتات الزمن، تتبرم من الزحام، ومن انعدام الأكسجين في هذا الحيز الضيق، وكأنها في رحلة نقل جماعي باردة، كل كتاب يحمل ملامح راكب مختلف، ومع ذلك، يسود الصمت بينهم كاتفاق غير معلن. تلك الأوراق البيضاء الممددة على سطح المكتب تلتفت إليّ بنظرات خاوية، تنتظر ما سأنحت فوقها من أفكار، ليست بيضاء تمامًا، بل مشوبة بالاحتمالات، كأن كل ورقة تهمس: "هل أكون خيبة جديدة أم انبعاثًا خلاقاً جديدًا؟" أشعر بثقل البدايات، وكأن البداية فعلٌ لا ينتمي للإرادة، بل للارتطام المفاجئ بين الداخل المزدحم والسطور الفارغة. كل شيء ساكن، لكنه ليس ميتًا، كل شيء صامت، لكنه ليس بريئًا، ثمة عيون للحروف تتلصص من جدران الذاكرة، تحاصرني بلطف قاتل. الأفكار لا تأتي حين أطلبها، تأتي حين تشاء، تتقدّم في صمت، تدوس على أعصابي برؤوس أصابعها،...