إخوان الصفا

 في ظلال الحضارة الإسلامية أيام تألقها وبروزها الحضاري والثقافي، حيث تلاقت الفلسفات اليونانية والهندية والفارسية مع روحانية الإسلام وتعاليمه وقيمه الدينية والأخلاقية، نشأت جماعة غامضة سرية، لا تعرفها العامة ولايعرف من هم أعضائها على وجه الدقة، لكنها خلفت أثراً بارزاً في الفكر الإسلامي ماتزال أصداءه تتردد إلى يومنا هذا. إخوان الصفا وخلان الوفا، هذا الإسم الذي أربك المؤرخين وأثار تساؤلاتهم حول حقيقة تلك الجماعة وطبيعة أعمالهم وأهدافهم ، لم يكونوا جماعة سرية مبهمة  فقط بل كانت منظمة ثقافية تحمل مشاريع  فكرية وثقافية متنوعة ، كتبت في الرياضيات والطبيعة والميتافيزيقا والموسيقى والأخلاق والسياسة لقد طرقت كل الأبواب الفكرية ووثقت بصمتها في كل معرفة وصلت إليهم وشاركت في جل الفنون والمعارف فقد كانت تسعى إلى صياغة موسوعة علمية ثقافية أو أشبه ماتكون بدائرة معارف وإرشيف شامل لثقافة وحضارة عصرهم .

لا نعرف على وجه الدقة واليقين من هم هؤلاء الإخوان وكم عدد أعضائهم وماطبيعة إجتماعاتهم وطرق دراساتهم وأبحاثهم، هناك إشارات متفرقة ومبعثرة في المصادر الإسلامية ولعل ابن المقفع كان واحداً منهم؛ ففي «كليلة ودمنة»، حين يتوجه دبشليم الملك بالكلام إلى بيدبا الفيلسوف في مطلع قصة «الحمامة المطوقة»، يقول له: «حدثني، إن رأيت، عن إخوان الصفاء كيف يبدأ تواصلهم ويستمع بعضهم ببعض». فيجيبه الفيلسوف: «إن العاقل لا يعدل بالإخوان شيئًا؛ فالإخوان هم الأعوان على الخير كله، والمؤاسون عند ما ينوب من المكروه».

وقد يكون عبد الله بن المقفع أحد أفراد تلك الجماعة، وتشير بعض المصادر – ومنها «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي – إلى ذلك، حين يكشف لنا أبو حيان الستار عن خمسة أسماء من مؤلفي هذه الرسائل في كتابه الذي يضم مسامرات سبع وثلاثين ليلة أمضاها في منادمة الوزير أبي عبد الله العارض. ويأتي على ذكر إخوان الصفا في الليلة السابعة عشرة، حيث يسأل الوزير عن زيد بن رفاعة ومذهبه، فيجيب أبو حيان:

«هناك ذكاء غالب، وذهن وقاد، ويقظة حاضرة، وسوانح متناصرة، ومتسع في فنون النظم والنثر، مع الكتابة البارعة في الحساب والبلاغة، وحفظ أيام الناس، وسماع للمقالات، وتبصر في الآراء والديانات، وتصرف في كل فن... وقد أقام بالبصرة زمانًا طويلًا، وصادف بها جماعة لأصناف العلم وأنواع الصناعة؛ منهم أبو سليمان محمد بن معشر البيستي، ويعرف بالمقدسي، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد المهرجاني، والعوفي وغيرهم، فصحبهم وخدمهم. وكانت هذه العصابة قد تآلفت بالعشرة، وتصافت بالصداقة، واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة، فوضعوا بينهم مذهبًا زعموا أنهم قرّبوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله والمصير إلى جنته. وذلك أنهم قالوا: الشريعة قد دنست بالجهالات، واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة؛ لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية، والمصلحة الاجتهادية».

ولكن لم يكشف لنا عن أفرادها وأعضائها بصورة واضحة ورسمية وجل ما وصل إلينا منهم هي موسوعتهم الفكرية الضخمة التي تعرف بإسمهم بـ"رسائل إخوان الصفا"، وهي عمل موسوعي شامل، تناولوا فيه الرياضيات والطبيعة والميتافيزيقا والموسيقى والأخلاق والسياسة، في  محاولة جادة وعميقة لصياغة رؤية شاملة للعالم تجاوزوا فيها الحدود الضيقة للعقائد المذهبية والتفسيرات التقليدية التي كانت سائدة في عصرهم.

لم تكن رسائلهم مجرد تأملات فلسفية عابرة، بل كانت دعوة صادقة إلى نهضة فكرية صارمة قامت على الجمع بين العقل والنقل، وبين التعاليم الدينية والعلوم العقلية. كانوا يرون أن الحقيقة ليست حكراً على الدين وحده، بل يمكن لنا أن نصل إليها من خلال الفلسفة والتجربة والعلم. ولذلك كان أسلوب منهجهم الجمع بأسلوب انتقائي، تجمع بين أفكار أفلاطون وأرسطو، وبين التعاليم الصوفية والباطنية، وبين الهندسة والرياضيات، في خليط متفرد يجعلهم أقرب إلى الحركات الفلسفية الباطنية التي ظهرت في الثقافات القديمة كالمدرسة الفيثاغورية التي أقامها الفيلسوف والرياضي فيثاغورس.

عند التأمل في دقائق فكرهم، نجد أنهم كانوا يؤمنون بأن العالم يتكون من مراتب متدرجة، تبدأ بالمادة وتنتهي بالعقل الكلي، وأن النفس البشرية فيها يمكن أن ترتقي من خلال هذه المراتب حتى تصل إلى رتبة الكمال. كانت لديهم تصورات قريبة من الفيثاغورية كما أسلفنا، تلك المدرسة اليونانية التي أسسها فيثاغورس، والتي أرتأت أن الكون يقوم على نظام عددي متناسق، وأن الموسيقى والرياضيات لم تكن مجرد أدوات عبارة، بل كانت مفاتيح لفهم وتفسير  أسرار وغوامض هذا الوجود الذي يحيط بنا. أعتقد الفيثاغوريون أن الأرقام تحمل في أعماقها قوى روحية، وأن كل شيء في الكون يمكن تفسيره وفقاً لتلك  النسب العددية الدقيقة، وهو نفس السياق الذي تمت صياغته وبلورته -ليس بتأثير مباشر - في رسائل إخوان الصفا، التي أولت إهتماماً خاصاً بعلم الأعداد والهندسة والموسيقى، باعتبارها أدوات ومفاتيح لفهم التناغم الكوني.

لم يكن الفيثاغوريون مجرد فلاسفة رياضيين، بل كانوا جماعة سرية، أشبه بأن تكون جماعة دينية تضع شروطاً ومعايير صارمة للإنضمام إليها وهذا ماتشير إليه المصادر كما ذكرها برتراند راسل في تاريخ الفلسفة حتى الأطعمة كانت هناك أطعمة محرمة عليهم أكلها حرمها فيثاغورس، ويفرض على أعضائها فترات من الصمت والتأمل قبل أن يُسمح لهم بالاطلاع على "الحكمة العليا". هذا الجانب النخبوي من الفكر الفيثاغوري يتشابه مع رؤية إخوان الصفا، الذين لم يروا أن المعرفة متاحة للجميع، بل يجب أن تكون محكورة على الذين مروا بمراحل إختبار وتجربة عبر تهذيب النفس وتربية وتنمية العقل لصقل عقولهم كي تتلقى المعرفة التي ستقدم لهم فيما بعد. ولهذا كانت أساليبهم أشبه ماتكون بطريقة الفرقة الباطنية، التي ترى أن للحقيقة مستويات متعددة، لا يمكن لعامة الناس إدراكها والإحاطة بها دفعة واحدة، بل يجب كشفها تدريجياً لمن يستحقها ويبذل فيها جهده.

أما إذا عدنا إلى مصر القديمة، فإننا نجد تشابهاً آخر بين إخوان الصفا وكهنة المعابد المصرية القديمة، الذين كانوا يحتفظون بالمعرفة داخل طبقة محددة من رجال الدين، ولا ينقلونها إلا عبر طقوس خاصة إلى الأجيال اللاحقة حتى لا تصل إلى من لا يستحقها. وأعتقد أن فيثاغورس تعلم تلك الطريقة منهم فقد رحل إلى مصر وأختلط بالكهنة فقد كان الكهنة المصريون يمتلكون أسرار الهندسة والفلك والطب، ويستخدمون الرموز والإشارات في تدوين معارفهم وخبراتهم التطبيقية. وقد انعكست هذه الفكرة في فكر إخوان الصفا، الذين استخدموا الرمزية والتعمية في كثير من رسائلهم، وأكدوا على ضرورة "التدرج في كشف الحقيقة"، بحيث لا تعطى الحكمة إلا لمن تثبت أهليته لها.

كما أن الكهنة المصريين رأوا في الموسيقى وسيلة لخلق التوازن بين الإنسان والكون، وهي جزء من النظام الإلهي الذي يحكم العالم، وهو ما يتطابق مع رؤية إخوان الصفا، الذين اعتبروا الموسيقى علماً مقدساً، ينعكس فيه التناسق الكوني، ويساهم في تهذيب النفس، تماماً كما كان الفيثاغوريون يرون في الموسيقى وسيلة للإرتقاء الروحي.

وعلى الرغم من هذه التقاطعات مع المدرسة الفيثاغورية والحكمة المصرية القديمة، كان إخوان الصفا يمتازون برؤية أكثر شمولية ، حاولت فيه الجماعة التوفيق بين الإسلام والفلسفة، وبين الدين والعلم، في وقت كانت فيه الصراعات بين الإتجاهات الدينية التقليدية والتيارات الفلسفية قد بلغت أوجهها. لم يكونوا مجرد تكرار وعملية إجترار لحركات فكرية سابقة لها، بل كانوا مشروعاً فكرياً أصيلاً، سعت فيه إلى تجاوز النزاعات العقائدية والمذهبية، وبناء تصور موحد للكون، يقوم على التوازن بين العقل والإيمان.

إلا أن مشروعهم هذا لم يلقى قبولاً واسعًا في عصرهم، فقد ظل تأثيرهم محدوداً مقارنة بفلاسفة كالفارابي وابن سينا، ربما لأنهم اختاروا السرية والكتمان في نشاطهم الثقافي، أو لأن أفكارهم كانت أقرب إلى النخبوية منها إلى الإصلاح الاجتماعي المباشر. ومع ذلك، فإن تأثيرهم  بقي حاضراً في الفكر الإسلامي إلى يومنا هذا ، وخاصة في تلك الحركات الباطنية والصوفية، التي تبنّت الكثير من أفكارهم حول التدرج في المعرفة، وتهذيب النفس، والبحث عن الحقيقة المطلقة وغيرها من الأفكار.

فإن إخوان الصفا لم يكونوا مجرد جماعة غامضة ظهرت واختفت، بل كانوا حلقة في سلسلة طويلة حافلة من الفكر الإنساني العريق، تمتد من حكماء مصر القديمةو معابدهم الغامضة إلى الفيثاغوريين وتعاليمهم السرية، وصولاً إلى الفلاسفة الإسلاميين، الذين سعوا جميعهم إلى فهم أسرار الكون، وإيجاد روابط خفية بين الإنسان والعالم المحيط به. لقد كانت رسائلهم أشبه ماتكون بمفتاح لفهم ذلك التراث الفكري الهائل المتداخل فيما بينها.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نقد المنطق

الوجه المظلم للمثقف