أمة الشعر والشعراء
الأمّة العربيّة العريقة هي العِرقُ الوحيد التي أنجبت لنا سلالاتٍ عريقة لا تنتهي ولا تنضب من الشعراء؛ فمنذُ أمير كندة امرئ القيس، وهو يعلّق قلبه وشعره على خيمته وناقته وليله الطويل، إلى جاسم الصحيح وهو يصوغ قلق الإنسان الحديث بلغةٍ مشبعةٍ بالإيقاع والوعي وصولاً إلى محمد عبدالباري وهو يلبس القصيدة قماش الدهشة والمجاز، لم ينقطع هذا الخيط الشعري، ولم تذبل السلالة وتضمحل. تعاقبت العصور وتبدّلت الدول، وسقطت مدائن وقامت أخرى، وبقي الشعر العربيّ حيًّا كنبضٍ سرّي في جسد هذه الأمّة. ولم يكن هذا البقاء مصادفةً عابرة ولا حنينًا محفوظًا في المتاحف، بل كان فعلَ حياةٍ متجدّد؛ فالشعر العربي الشامخ لم يعش يومًا على الهامش، بل كان دائمًا في صدارة الوعي، وسيد من سادات المواقف ومرآةً حقيقية ونبيلة للذات والحياة غير مصطنعة، ولسانًا للدهشة وصوتاً للمجاز، ودفترًا سرّيًا لتقلّبات الروح العربية. كل جيلٍ من أجيالنا كان مميزاً لم يكن يكرّر من سبقه، بل كان يضيف نبرته الخاصة ونكهته الخاصة في هذا النهر الطويل؛ نبرةُ الصحراء حينًا، ونبرةُ المدينة حينًا، ونبرةُ المنفى والقلق والأسئلة الكبرى حينًا آخر. من المعلّ...