لماذا نحتاج إلى العلوم الإنسانية أكثر من أي وقت مضى؟
في عالم يغرق في الأرقام والتقنية، تبقى العلوم الإنسانية الصوت الذي يذكّرنا بمن نحن، ولماذا نعيش، وكيف نصنع حضارة تستحق الإنسان. في عالمٍ يزداد صخبًا كل يوم، بين تسارع التكنولوجيا وتشابك الأسواق وتعقّد الحياة اليومية، يقف سؤال جوهري يتسلل بهدوء إلى وجدان كل من يتأمل ما حوله: لماذا، رغم كل هذا التقدّم، نشعر أحيانًا أننا نفقد شيئًا عميقًا؟ ربما لأننا، وسط انشغالنا بالماديات، همّشنا ما يمنح لحياتنا طعمها ومعناها الأصيل: العلوم الإنسانية. العلوم الإنسانية ليست ترفًا ثقافيًا نُزين به المجالس ولا حشوة في المناهج، بل هي مرآتنا العميقة لفهم ذواتنا، وهي الجسر الذي نمدّه نحو الآخر حين نبحث عن معنى التواصل، عن مغزى الألم، وعن جمال الفكرة المجردة. ففي دراسة التاريخ، لا نكتفي بتعداد الوقائع، بل نفهم كيف تصرّف الإنسان في وجه المجهول، وكيف صاغ مصيره من هشاشته. وفي الأدب، لا نقرأ فقط عن الحب والفقد والغربة، بل نمرّ بتلك التجارب، نعيشها دون أن نخسر أعمارنا، فنخرج أكثر رحابة، أكثر إنصاتًا، أكثر بشرية. في مكاتب الشركات الكبرى، وفي ردهات التخطيط الحضري، وفي خنادق النقاشات السياسية، لطالما حُجزت المقاعد الأ...