المشاركات

عرض المشاركات من يونيو, 2026

الخيال حين يلامس الواقع

"الخيال القوي بذاته يُوَلّدُ حدثًا" – فقرة وردت في مقالات مونتين . الخيال أهم من المعرفة، لأن المعرفة محدودة، بينما الخيال يحتضن العالم بآسره ". - ألبرت أينشتاين إن للخيال طرقاً وشعاباً كثيرة، بعضها يعود بصاحبه إلى العالم وهو أكثر بصيرة به، وبعضها يتيه بصاحبه حتى ينسى الطريق إلى واقعه. فقد كنت أرى بأن أجمل ما في هذا الخيال أنه لا يطلب منا أن نهجر الواقع، ولكن أن ننظر إليه بعين أخرى، عين مستعارة. فالشاعر حين يطيل النظر إلى غيمة لا يرى فيها بخاراً معلقاً في السماء، وإنما قافلة من الصور العابرة، والفنان حين يقف أمام حجر صامت قد يرى فيه تمثالاً ينتظر أن يتحرر من أسره. وليس في ذلك خداع للنفس، لأن كليهما يعلم أن ما يراه ليس موجوداً بعد، وإنما هو إمكانية تتخفى في الأشياء. غير أن هذا الخيال لا يبقى دائماً بتلك الصورة الحالمة ذلك الطائر الوديع الذي يحط على كتف العقل ثم يغادره. فكثيراً ما يكبر فينا الخيال حتى يظن نفسه سيد المكان وحاكمه، فيبدأ برعاية الأفكار كما يرعى الراعي قطيعه، يقودها حيث يشاء ويمنعها من العودة إلى مراعي الواقع الخصبة والمثمرة . عندئذٍ تصبح الأمنيات أكثر حضوراً ...

معضلة العقل العربي

تكمن معضلة العقل العربي في كونه عقلاً موزعاً بين ماض يستغرق فيه حتى يغدو أسيراً له، ومستقبل يتصوره مغايراً تماما لثقافته وبيئته فيتعلق بأحلام مستوردة لا تنبت في أرضه، فهو من جهة مشدود إلى أمجاد التاريخ وإرثه الزاهر في محاولة لاستعادته وكأن الزمن يدور في حلقات مغلقة، ومن جهة أخرى ينشد نحو نماذج الحداثة الغربية التي لم تولد من فراغ بل كانت ثمرة صراع طويل مع واقعها ومشكلاتها الخاصة، فيستورد هذه الأفكار الجاهزة ويعمل على إسقاطها على مجتمعه وكأنها وصفة عامة صالحة لكل زمان ومكان، وهنا تتجلى المعضلة؛ إذ أن الفكر الغربي الذي يتبناه بعض المفكرين العرب لم يكن إلا استجابة تاريخية لمتطلبات عصره، فالعلمانية مثلا جاءت في مواجهة سلطة الكنيسة وسطوتها، والليبرالية نشأت لتفكيك القيود الاجتماعية والسياسية في أوروبا، والماركسية وُلدت من رحم معاناة العمال في بيئة صناعية صرفة، أما حين تُنقل هذه التجارب إلى الواقع العربي دون تمحيص في شروطها وأسبابها التاريخية فإنها تتحول إلى عبء معرفي، فلا الماضي يعاد كما كان، ولا المستقبل المصطنع ينسجم مع البنية الاجتماعية والثقافية التي نعيشها، وهكذا يبقى العقل العربي تائه...