الفلسفة المتعالية
لقد أنتج هذا الجسد الهزيل، الذي ربما لم يلفت الانتباه في البدء، بقلمه الرفيع فلسفةً غيّرت وجه الفكر الغربي، فلسفة تجاوزت كل ما سبقه من محاولات فلسفية، وفتحت آفاقاً جديدة للتأمل في المعرفة والوجود. قبل كانط، كان الفلاسفة ينقسمون إلى اتجاهين رئيسيين في مقاربتهم للمعرفة: الاتجاه التجريبي، الذي يرى أن المعرفة تبدأ بالحواس والتجربة، وأن العقل ما هو إلا أداة لترتيب ما تأتي به التجربة من معلومات، واتجاه عقلاني آخر يرى أن العقل هو المصدر الأول والأساس للمعرفة، وأنه يمكن الوصول إلى حقائق عامة وثابتة من خلال المنطق وحده، دون الحاجة إلى التجربة الحسية المباشرة. لقد ظل الفكر الفلسفي في تلك العصور يتأرجح بين هذين القطبين، التجريبي والعقلي، مع ميل كل طرف إلى رفض الآخر أو الاستخفاف بقدراته. في خضم هذا الصراع الفكري، ظهر كانط ليعلن عن فلسفته الخاصة، والتي أسماها الفلسفة الترنسندنتالية أو المتعالية، وسمّاها بذلك لأنها تجاوزت الفلسفات السابقة عليها، متحررة من الجمود والدوغمائية التي طبعت كل مدرسة من المدارس السابقة. لم يكتفِ كانط برفض هذه الدوغمائية، بل حاول أن يجد جسراً بين التوجهين المتعارضين، يجمع بي...