المشاركات

هل فعل القراءة حالة انعزالية أم طريقة أخرى للعيش مع البشر؟

لا أستطيع أن أتذكر متى بدأت القراءة تتحول عندي من عادة صغيرة إلى طريقة خفية للنظر إلى هذا العالم. في البداية كانت تلك الكتب التي أطالعها مجرد أسباب أو لنقل وسائل أطفي بها ذلك الفضول الذي يتملكني نحو كل جديد؛ كانت إحدى تلك الهوايات النبيلة التي أحاول ملء الأوقات الثقيلة بها تلك الساعات التي لاتخلص بسهولة، أو حتى تلك الرغبة البسيطة في معرفة أشياء لا أعرفها. لكنني مع الوقت اكتشفت أن القراءة لا تضيف إلى الإنسان معلومات فقط، ولكنها تعيد تشكيل علاقته بنفسه وبالناس وبالحياة كلها بطريقة بطيئة لا يشعر بها إلا بعد مرور سنوات من ممارستها. كثيرا ما سألت نفسي في ساعات خلوتي معها: هل القراءة عزلة تامة فعلا كما يقال عنها؟ لأن صورة القارئ في أذهان الناس تكاد تكون ثابتة ومؤطرة بإطار محدد: إنسان وحيد، يجلس بعيدا عن الضجيج البشري، محاطاً بأوراقه وكتبه وبصمته الطويل والعميق . حتى أنا كنت أرى الأمر من هذا المنظور وبهذه الطريقة في بداياتي المتواضعة، وكنت أظن أن القراءة هي نوع مهذب للانسحاب من هذا العالم، وكأن القارئ في أعماقه أختار أن يستبدل البشر بهذه الصفحات. لكنني كلما عشت أكثر بين هذه الكتب، ازددت شكاً ...

الخيال حين يلامس الواقع

"الخيال القوي بذاته يُوَلّدُ حدثًا" – فقرة وردت في مقالات مونتين . الخيال أهم من المعرفة، لأن المعرفة محدودة، بينما الخيال يحتضن العالم بآسره ". - ألبرت أينشتاين إن للخيال طرقاً وشعاباً كثيرة، بعضها يعود بصاحبه إلى العالم وهو أكثر بصيرة به، وبعضها يتيه بصاحبه حتى ينسى الطريق إلى واقعه. فقد كنت أرى بأن أجمل ما في هذا الخيال أنه لا يطلب منا أن نهجر الواقع، ولكن أن ننظر إليه بعين أخرى، عين مستعارة. فالشاعر حين يطيل النظر إلى غيمة لا يرى فيها بخاراً معلقاً في السماء، وإنما قافلة من الصور العابرة، والفنان حين يقف أمام حجر صامت قد يرى فيه تمثالاً ينتظر أن يتحرر من أسره. وليس في ذلك خداع للنفس، لأن كليهما يعلم أن ما يراه ليس موجوداً بعد، وإنما هو إمكانية تتخفى في الأشياء. غير أن هذا الخيال لا يبقى دائماً بتلك الصورة الحالمة ذلك الطائر الوديع الذي يحط على كتف العقل ثم يغادره. فكثيراً ما يكبر فينا الخيال حتى يظن نفسه سيد المكان وحاكمه، فيبدأ برعاية الأفكار كما يرعى الراعي قطيعه، يقودها حيث يشاء ويمنعها من العودة إلى مراعي الواقع الخصبة والمثمرة . عندئذٍ تصبح الأمنيات أكثر حضوراً ...

معضلة العقل العربي

تكمن معضلة العقل العربي في كونه عقلاً موزعاً بين ماض يستغرق فيه حتى يغدو أسيراً له، ومستقبل يتصوره مغايراً تماما لثقافته وبيئته فيتعلق بأحلام مستوردة لا تنبت في أرضه، فهو من جهة مشدود إلى أمجاد التاريخ وإرثه الزاهر في محاولة لاستعادته وكأن الزمن يدور في حلقات مغلقة، ومن جهة أخرى ينشد نحو نماذج الحداثة الغربية التي لم تولد من فراغ بل كانت ثمرة صراع طويل مع واقعها ومشكلاتها الخاصة، فيستورد هذه الأفكار الجاهزة ويعمل على إسقاطها على مجتمعه وكأنها وصفة عامة صالحة لكل زمان ومكان، وهنا تتجلى المعضلة؛ إذ أن الفكر الغربي الذي يتبناه بعض المفكرين العرب لم يكن إلا استجابة تاريخية لمتطلبات عصره، فالعلمانية مثلا جاءت في مواجهة سلطة الكنيسة وسطوتها، والليبرالية نشأت لتفكيك القيود الاجتماعية والسياسية في أوروبا، والماركسية وُلدت من رحم معاناة العمال في بيئة صناعية صرفة، أما حين تُنقل هذه التجارب إلى الواقع العربي دون تمحيص في شروطها وأسبابها التاريخية فإنها تتحول إلى عبء معرفي، فلا الماضي يعاد كما كان، ولا المستقبل المصطنع ينسجم مع البنية الاجتماعية والثقافية التي نعيشها، وهكذا يبقى العقل العربي تائه...

اللغة التي تسكننا

كنتُ كثيراً ومازلت أتساءل: كيف يمكن لأمة أن تضع ذاكرتها في المخازن وتقفل عليها ثم تشكو من ضياع صوتها؟ نحن لا نفتقر إلى اللغة، بل نفتقر إلى ذلك الإيمان العميق بقدرتها على الحياة خارج صفحات الكتب القديمة. العربية ليست حروفاً جامدة نلقَّنها للصغار في مدارسنا وبيئتنا التعليمية ثم نتركها وحيدة ضائعة في زوايا الحياة الحديثة؛ إنها أشبه شيء ببيت واسع سكنته قرون ذوات عظيمة من التأملات والشعراء والجدالات والحنين والأدعية الطاهرة التي تعرج بنا إلى السماء وتلك الأسئلة الكبرى. ولعل أكثر ما يحزنني في هذا السياق أن كثيراً منا صار ينظر إلى تراثه كما ينظر الإنسان إلى أثاث قديم ورثه عن آبائه؛ يحتفظ به احتراماً لها، لا حباً بها، ويخجل أحياناً من إظهاره أمام العالم. حين أتأمل العربية أشعر بأنها كيان لم تكن يوماً لغة باردة كسائر اللغات. لقد كانت لغة تسير في الأسواق وتجمعات البشر كما كانت تسير في كتب الفلاسفة، وتدخل في دعاء المتصوف الزاهد كما تدخل في حسابات الفلكي الحاذق، تلك لغة تستطيع أن تصف الرمال والنجوم والخوف واليقين والحب والألم والسعادة بالحرارة نفسها وبدرجة العمق ذاتها. لربما هذا ماجعلها باقية حية...

الوجه المظلم للمثقف

- عندما يتحول الفكر والمعرفة إلى أداة للظلم.  المثقف، في جوهره، ليس مجرد حامل للمعرفة أو متفنن في القول، بل هو ذلك الضمير الذي يمنح العقل صوته الأخلاقي، والوعي الذي يوازن به بين الفكر والإنسان، بين ما يُقال وما يُفعل. فالثقافة الحقيقية لم تُصنع لتُزيّن بها الجدران، بل لتواجه الطغيان، وتعيد للإنسان وعيه حين تسرقه السلطة، أو يغشاه الخوف. غير أن هذا المثقف، الذي وُجد ليكون حارساً للحق وصوته وقلمه ومفسر معاني الحريةوالمنافح  عنها، قد ينقلب أحياناً على ذاته، فيتحول من منارة مشتعلة تهدي من الظلام إلى الضياء، إلى أداة تُسخّر لإشعال الحرائق في واقع الناس وعقولهم ويصبح ذلك المثقف ركن مظلم من أركان الاستبداد وأداة تستجلب الظلام والشقاء، فيغدو فكره جسراً يمرّ عليه الظالمون مطمئنين، بعد أن كان جداراً يقف في وجوههم. هنا يولد الوجه المظلم للمثقف، حين يستبدل الحقيقة بالمصلحة، ويستعيض عن الإخلاص للإنسان وقيمه بولائه للسلطة لاسيما المستبدة. تبدأ الخيانة الفكرية للمثقف حين يبرر الصمت باسم الحكمة، ويغلف الجبن بغلاف الموضوعية، فيقف متردداً أمام الظلم، ثم لا يلبث أن يتحول إلى شريك فيه. يصبح الوعي...

كانط والمعرفة البشرية

 لقد أنتج كانط، هذا الجسد الهزيل والقلم الرفيع، فلسفةً فريدة تجاوزت كل ما سبقها من محاولات فلسفية، وجعلت منه نقطة تحول حقيقية في تاريخ الفكر الغربي. قبل كانط، كان الفلاسفة يعتمدون على اتجاهين رئيسيين في تفسير المعرفة: التجربة والحواس أو العقل والمنطق. الاتجاه التجريبي، الذي تمثل في فلاسفة مثل لوك وهوبز، يرى أن المعرفة تبدأ بالحواس والتجربة، وأن العقل مجرد أداة لتنظيم المعلومات المستمدة من الواقع الحسي. بينما الاتجاه العقلاني، الذي تجسد في فلاسفة مثل ديكارت ولايبنتز، يرى أن العقل هو المصدر الأساسي للمعرفة، وأنه يمكن الوصول إلى حقائق عامة وثابتة من خلال المنطق وحده، مستقلة عن التجربة. في هذا المشهد الفلسفي المتأرجح، ظهر كانط ليؤسس فلسفة متعالية أو ترنسندنتالية، فلسفة تتجاوز الجمود الدوغمائي للفكر السابق، فلسفة تحاول الجمع بين ما تقدمه التجربة من حقائق وما يمكن للعقل استنتاجه من مبادئ، مع الحفاظ على المثالية التي تجعل للماهية أسبقية على الوجود. وهذه الأسبقية ليست زمنية، بل منطقية: فالواقع لكي يكون ممكنًا معرفيًا، يجب أن يكون متسقًا مع شروط العقل، أي أن العقل يضع المعايير التي تجعل من ...

إخوان الصفا

 في ظلال الحضارة الإسلامية أيام تألقها وبروزها الحضاري والثقافي، حيث تلاقت الفلسفات اليونانية والهندية والفارسية مع روحانية الإسلام وتعاليمه وقيمه الدينية والأخلاقية، نشأت جماعة غامضة سرية، لا تعرفها العامة ولايعرف من هم أعضائها على وجه الدقة، لكنها خلفت أثراً بارزاً في الفكر الإسلامي ماتزال أصداءه تتردد إلى يومنا هذا. إخوان الصفا وخلان الوفا، هذا الإسم الذي أربك المؤرخين وأثار تساؤلاتهم حول حقيقة تلك الجماعة وطبيعة أعمالهم وأهدافهم ، لم يكونوا جماعة سرية مبهمة  فقط بل كانت منظمة ثقافية تحمل مشاريع  فكرية وثقافية متنوعة ، كتبت في الرياضيات والطبيعة والميتافيزيقا والموسيقى والأخلاق والسياسة لقد طرقت كل الأبواب الفكرية ووثقت بصمتها في كل معرفة وصلت إليهم وشاركت في جل الفنون والمعارف فقد كانت تسعى إلى صياغة موسوعة علمية ثقافية أو أشبه ماتكون بدائرة معارف وإرشيف شامل لثقافة وحضارة عصرهم . لا نعرف على وجه الدقة واليقين من هم هؤلاء الإخوان وكم عدد أعضائهم وماطبيعة إجتماعاتهم وطرق دراساتهم وأبحاثهم، هناك إشارات متفرقة ومبعثرة في المصادر الإسلامية ولعل ابن المقفع كان واحداً منهم؛...