المشاركات

عرض المشاركات من مارس, 2024

تعويذة الأدب

السفر عبر الزمن ممكن من الناحية العملية - ستيفن هوكينغ "عبور الزمن من خلال سحر القراءة ". حينما تقرأ، فأنت لا تقوم بعملية عقلية جامدة، بل تعيش تجربة سحرية خارقة تجعلك تتحاور مع عقول قد غادرت الدنيا منذ قرون، وتجالس رجالًا ونساءً لم يُكتب لك لقاؤهم، لكن كلماتهم تتجدد كلما مررت بعينيك على سطورها، فتبعث من جديد، نابضة بالحياة، كأن الزمن لم يمضِ بها إلى زوايا النسيان. كل كتاب تمسك به هو بوابة تفتح على عالم مختلف، وحين تنهمك في قراءته، تجد نفسك تتنقل بين أزمنة وأمكنة متباعدة، تجلس في مجلس الفلاسفة، وتحاور الشعراء، وتنصت للمؤرخين وهم يروون لك حكايات الأمس البعيد كأنها تحدث أمامك الآن. ليس الأمر مجرد حروف على ورق، بل هو لقاء روحي بينك وبين من كتب هذه الكلمات. حين تمضي بين السطور، تجد الأحرف تتحرك وتتراقص، تحمل أنفاس كاتبها، تنبض بأفكاره، تنقل لك حيرته وتساؤلاته، بل حتى لحظات تأمله وصمته. كأنك استدعيته من مرقده التليد، فنفض عن كتفيه غبار الزمن، وجلس أمامك، ينظر إليك بعينين تلمعان بالشغف، يحدثك بوضوح، يروي لك أفكاره، يفسر لك غوامضها، يكشف لك ما خفي من بواطنها، يحاورك دون كلل أو ملل، م...

الأدب هو مسرح اللغة

أجد في قراءة الروايات الطويلة شيئًا من الملل أحيانًا، وكأنني أجرع حروفها جرعًا، إلا أن قلةً منها تخترق هذا الحاجز وتستوقفني، فأدرك أن للرواية شأنًا آخر يتجاوز مجرد الحكايات التي تُروى لتُنسى. فليست قيمة الرواية أنها تعرض فكرة الكاتب أو رؤيته فحسب، وإلا لكانت المقالة أو البحث أنسب وأقرب لإيصال الفكرة بوضوح وبلا استطراد. لكن الرواية، حين تكون عظيمة، ليست ترفًا فكريًا ولا مجرد تسلية عابرة. إن الرديء منها قد يكون كذلك، أما الجيد منها فهو حياة أخرى تُضاف إلى حياتنا، ونافذة تفتح لنا عوالم لم نكن لنراها لولاها. إنها قادرة على أن تُنطق التاريخ الصامت، وتُعيد لنا صور الماضي وأصداءه التي ما كنا لندركها أو نتخيلها بمثل هذا العمق. فمحفوظ – على سبيل المثال – لم يكتب عن مصر القديمة مجرد كلمات على ورق، بل شيّد من اللغة مدينة كاملة وأعاد لها أنفاسها، حتى خُيّل إلينا ونحن نقرأ أن طيبة قد عادت للحياة، وأنها تبث شكواها إلينا بعد أن صمتت لقرون. جعلنا نرى كيف كانت سيدة المدائن وعروس مصر قبل أن تزاحمها الإسكندرية بشواطئها العابثة، وقبل أن تُقهرها القاهرة فتذبل وتبقى أطلالها شاهدة حتى اليوم. وكذلك ما نعرفه ع...