الوجه المظلم للمثقف
- عندما يتحول الفكر والمعرفة إلى أداة للظلم.
المثقف، في جوهره، ليس مجرد حامل للمعرفة أو متفنن في القول، بل هو ذلك الضمير الذي يمنح العقل صوته الأخلاقي، والوعي الذي يوازن به بين الفكر والإنسان، بين ما يُقال وما يُفعل. فالثقافة الحقيقية لم تُصنع لتُزيّن بها الجدران، بل لتواجه الطغيان، وتعيد للإنسان وعيه حين تسرقه السلطة، أو يغشاه الخوف. غير أن هذا المثقف، الذي وُجد ليكون حارساً للحق وصوته وقلمه ومفسر معاني الحريةوالمنافح عنها، قد ينقلب أحياناً على ذاته، فيتحول من منارة مشتعلة تهدي من الظلام إلى الضياء، إلى أداة تُسخّر لإشعال الحرائق في واقع الناس وعقولهم ويصبح ذلك المثقف ركن مظلم من أركان الاستبداد وأداة تستجلب الظلام والشقاء، فيغدو فكره جسراً يمرّ عليه الظالمون مطمئنين، بعد أن كان جداراً يقف في وجوههم. هنا يولد الوجه المظلم للمثقف، حين يستبدل الحقيقة بالمصلحة، ويستعيض عن الإخلاص للإنسان وقيمه بولائه للسلطة لاسيما المستبدة.
تبدأ الخيانة الفكرية للمثقف حين يبرر الصمت باسم الحكمة، ويغلف الجبن بغلاف الموضوعية، فيقف متردداً أمام الظلم، ثم لا يلبث أن يتحول إلى شريك فيه. يصبح الوعي عنده سلعة، والفكر حرفة بلا ضمير. فيسخر ثقافته لخدمة الأقوياء، ويمنح طغيانهم طابعاً فلسفياً أو أخلاقياً ليبدو مقبولًا أمام الجماهير. وتلك هي أخطر أشكال الخداع: حين ينطق الطغيان بلسان الفكر، ويتزين القهر بأقنعة الثقافة. كثيرون من كبار المثقفين في التاريخ وقعوا في هذا المأزق الأخلاقي، حين غلبت عليهم غواية السلطة أو سحر النفوذ أو سطوة القمع.
بورخيس، الأديب الأرجنتيني العظيم، مثالٌ صارخ على ذلك. فقد كان صوتا أدبياً فذاً، لكن دعمه لإسرائيل، وتبريره الضمني لسياساتها، مثّل في نظر كثيرين سقوطاً أخلاقياً لمن حمل القلم بوصفه ضميراً للإنسانية. أما برنارد شو، فقد كان عبقرياً في الفكر والدراما والمسرح، لكنه لم ينجو من تهمة التبرير الأخلاقي لبعض صور الاستبداد السياسي، حين رأى في الأنظمة الشمولية "عقلًا منظماً" أكثر من كونها خطراً على الحرية. وكذلك هابرماس، الذي يُعد من كبار مفكري القرن العشرين، ورغم نزعته النقدية للسلطة، إلا أن بعض مواقفه السياسية بدت متصالحة مع سياسات الهيمنة التي كان يفترض به أن يكشفها، لا أن يبررها. هؤلاء لا يُنقصون من عظمتهم الفكرية، لكنهم يظلون شاهدين على هشاشة المثقف حين يساوم على دوره الأخلاقي، أو يختبئ خلف حجج فلسفية لتبرير ما لا يبرر.
إن أخطر ما يفعله المثقف المتواطئ ليس فقط خيانته للمبدأ، بل خيانته للوعي الجمعي. لأنه حين ينحاز للسلطة، لا يخدمها بقدر ما يخدر بها الشعوب، ويقنعها أن ما تراه ظلمًا هو "ضرورة"، وما تسمعه قهرًا هو "حكمة"، وما تعيشه من فقرٍ وخوفٍ هو "مرحلة انتقالية". وهكذا يصبح الفكر ذاته أداة لإعادة إنتاج الطغيان. المثقف الذي يُفترض أن يكون حارس الضمير، يتحول إلى مبرمج للعقول، يزرع فيها الوهم باسم المنهج، ويغرس فيها الخضوع باسم الفهم. ومن هنا يفقد الفكر معناه، وتموت الثقافة حين تنفصل عن الأخلاق.
فالمثقف لا يُقاس بقدر ما يعرف، بل بقدر جرأته على النقد. لا يُقاس بعدد مؤلفاته، بل بعدد المرات التي وقف فيها في وجه الباطل دون خشية لأحد ودون أجتلاباً لمصلحة يرجوها من موقفه. إن الذي يسكت حين يُهان الإنسان، أو يُبرر حين تُسلب منه الحرية، ليس مثقفاً بل خادمٌ في بلاط القوة وداعية للإستبداد . والذين جعلوا من أقلامهم أبواقًا للطغاة، وإن تزينوا بلغات فلسفية رنانة، هم في جوهرهم أكثر خطراً من الجهلاء، وأكثر إجراماً من الفعلة أنفسهم لأنهم يمنحون الطغيان سلاحاً يغذيه الفكر، وشرعية يشرعنها العقل.
إن الوجه المظلم للمثقف لا يلحظ في لحظةٍ واحدة، بل يتكشف تدريجياً، حين يعتاد الانحياز بحجة (الواقعية)، وحين يبرر الخضوع باسم (العقلانية). يبدأ الصمت على خطأ صغير، ثم يتحول إلى دفاع عن باطلٍ كبير، حتى يغدو المثقف في النهاية ظلاً للسلطة، لا صوتاً للإنسان. وما أكثر الذين انحدروا من قمة الفكر إلى هاوية التبرير، ظانين أن التنازل مرة لا يفسد المبدأ ولايمحيه، ثم اكتشفوا بعد فوات الأوان أن المبادئ بضاعة لا تُباع بالتقسيط.
لقد كانت وظيفة المثقف منذ أن عرفته البشرية كان يقف بين الإنسان وسلطته، بين المظلوم وجلاده، بين الحقيقة والكذب. فإذا انحاز للباطل، اختلّ ميزان الفكر كله بل يختل الضمير الإنساني والمعايير والمقاييس الأخلاقية. لذلك فالمثقف الذي يبيع ضميره لا يفسد ذاته فقط، بل يفسد المعنى العام للثقافة، ويفسد الثقة في العقل ذاته ويدمر الأخلاق الإنسانية. إن المجتمعات التي تُخدع بمثقفيها لا تستفيق بسهولة، لأن خيانة المثقفين أعمق وأبلغ أثراً من خيانة السياسي، فهي خيانة الروح خيانة العقل خيانة الضمير الأخلاقي، لا خيانة المواقف .
وهكذا يصبح من واجبنا أن نقرأ المثقف ونفحصه ليس في كتبه فقط، بل في مواقفه التي يتبناها ويؤيدها. وأن نزن كلماته بميزان الضمير الإنساني لا بميزان الشهرة الفكرية. فالفكر الذي لا يحمل في داخله مقاومة للظلم ليس فكراً، بل زخرف كلام لاينفع و لايسمن ولا يغني من جوع. فالمثقف الذي لا ينحاز للإنسان في وجه السلطة أو بالأحرى للعدل أينما حل ليس مثقفاً، بل شاهد زور بثوب منطقي وفيلسوف وقاص.
فليحذر المثقف من غواية المجد وزخرفاته البراقة التي تذهب بالأبصار وبالبصيرة، وليتذكر أنه خُلق ليكون ضميراً لا موظفاً تحت أي مسمى، وصوتاً مناصراً للحق لا صدى بالي لأي سلطة تعلوه وتقهره. فالمعرفة التي تفقد إنسانيتها تتحول إلى سياط جديدة وقيود تقيد العدالة عن تنفيذ عدالتها، والفكر الذي يبتعد وينزوي عن الضمير الإنساني يصبح خادماً للاستبداد وربيبه البار به. ومن هنا، من هذا المنطلق لا خلاص للإنسان ولا خلاص للفكر إلا حين يعود المثقف إلى ذاته الأولى وصورته الأنقى في محكمة الحياة :شاهداً للحقيقة ومدافعاً عنها، لا شاهداً عليها.
تعليقات
إرسال تعليق