ذاكرة الكلمات
منسيّة في ذاكرتي الكلمات، هزيلة مخارجها العبارات، كأنها أشباح هاربة من زمن بعيد، تحاول أن تتجسد في الحاضر لكن صوتها يخونها، يتلعثم، يتكسر عند أول محاولة للنطق بها. كلما هممت أن أستدعيها، تسللت مني كما يتسرب الرمل من بين الأصابع، تتركني مع خوفي الصامت، مع ذلك الشعور الثقيل بأنني فقدت شيئًا لا أعرف كيف أستعيده. كان الكلام يومًا يسيل مني بلا عناء، كالماء المنهمر من نبع صافٍ، لكن اليوم، أقف أمام المرآة وأتساءل: متى جفّ هذا النبع؟ متى أصبحت الكلمات ثقيلة عليّ، كأنها حجارة لا أستطيع رفعها؟ أبحث عنها في سراديب ذاكرتي، في دفاتر قديمة، في رسائل لم تُرسل، في قصائد كنت أرددها دون تفكير، فلا أجد إلا فراغًا صامتًا، كأن كل شيء غادرني فجأة دون وداع. أتلمس العبارات في زوايا عقلي، أجرّب أن ألفظها من جديد، لكنها تخرج شاحبة، خالية من الحياة. هل أنا من نسي لغتي، أم أن اللغة هي التي هجرتني؟ أم أن كثرة الصمت جعلتني غريبًا حتى عن نفسي؟ أشعر أنني عالق بين الماضي والحاضر، بين ما كنت أقوله ذات يوم، وما أعجز عن قوله الآن. ربما الكلمات لم تذهب بعيدًا، ربما تنتظرني في مكان ما، مختبئة خلف جدار من التعب، خلف ند...