اللغة التي تسكننا
كنتُ كثيراً ومازلت أتساءل: كيف يمكن لأمة أن تضع ذاكرتها في المخازن وتقفل عليها ثم تشكو من ضياع صوتها؟ نحن لا نفتقر إلى اللغة، بل نفتقر إلى ذلك الإيمان العميق بقدرتها على الحياة خارج صفحات الكتب القديمة. العربية ليست حروفاً جامدة نلقَّنها للصغار في مدارسنا وبيئتنا التعليمية ثم نتركها وحيدة ضائعة في زوايا الحياة الحديثة؛ إنها أشبه شيء ببيت واسع سكنته قرون ذوات عظيمة من التأملات والشعراء والجدالات والحنين والأدعية الطاهرة التي تعرج بنا إلى السماء وتلك الأسئلة الكبرى. ولعل أكثر ما يحزنني في هذا السياق أن كثيراً منا صار ينظر إلى تراثه كما ينظر الإنسان إلى أثاث قديم ورثه عن آبائه؛ يحتفظ به احتراماً لها، لا حباً بها، ويخجل أحياناً من إظهاره أمام العالم. حين أتأمل العربية أشعر بأنها كيان لم تكن يوماً لغة باردة كسائر اللغات. لقد كانت لغة تسير في الأسواق وتجمعات البشر كما كانت تسير في كتب الفلاسفة، وتدخل في دعاء المتصوف الزاهد كما تدخل في حسابات الفلكي الحاذق، تلك لغة تستطيع أن تصف الرمال والنجوم والخوف واليقين والحب والألم والسعادة بالحرارة نفسها وبدرجة العمق ذاتها. لربما هذا ماجعلها باقية حية...