المشاركات

عرض المشاركات من فبراير, 2026

كانط والمعرفة البشرية

 لقد أنتج كانط، هذا الجسد الهزيل والقلم الرفيع، فلسفةً فريدة تجاوزت كل ما سبقها من محاولات فلسفية، وجعلت منه نقطة تحول حقيقية في تاريخ الفكر الغربي. قبل كانط، كان الفلاسفة يعتمدون على اتجاهين رئيسيين في تفسير المعرفة: التجربة والحواس أو العقل والمنطق. الاتجاه التجريبي، الذي تمثل في فلاسفة مثل لوك وهوبز، يرى أن المعرفة تبدأ بالحواس والتجربة، وأن العقل مجرد أداة لتنظيم المعلومات المستمدة من الواقع الحسي. بينما الاتجاه العقلاني، الذي تجسد في فلاسفة مثل ديكارت ولايبنتز، يرى أن العقل هو المصدر الأساسي للمعرفة، وأنه يمكن الوصول إلى حقائق عامة وثابتة من خلال المنطق وحده، مستقلة عن التجربة. في هذا المشهد الفلسفي المتأرجح، ظهر كانط ليؤسس فلسفة متعالية أو ترنسندنتالية، فلسفة تتجاوز الجمود الدوغمائي للفكر السابق، فلسفة تحاول الجمع بين ما تقدمه التجربة من حقائق وما يمكن للعقل استنتاجه من مبادئ، مع الحفاظ على المثالية التي تجعل للماهية أسبقية على الوجود. وهذه الأسبقية ليست زمنية، بل منطقية: فالواقع لكي يكون ممكنًا معرفيًا، يجب أن يكون متسقًا مع شروط العقل، أي أن العقل يضع المعايير التي تجعل من ...

إخوان الصفا

 في ظلال الحضارة الإسلامية أيام تألقها وبروزها الحضاري والثقافي، حيث تلاقت الفلسفات اليونانية والهندية والفارسية مع روحانية الإسلام وتعاليمه وقيمه الدينية والأخلاقية، نشأت جماعة غامضة سرية، لا تعرفها العامة ولايعرف من هم أعضائها على وجه الدقة، لكنها خلفت أثراً بارزاً في الفكر الإسلامي ماتزال أصداءه تتردد إلى يومنا هذا. إخوان الصفا وخلان الوفا، هذا الإسم الذي أربك المؤرخين وأثار تساؤلاتهم حول حقيقة تلك الجماعة وطبيعة أعمالهم وأهدافهم ، لم يكونوا جماعة سرية مبهمة  فقط بل كانت منظمة ثقافية تحمل مشاريع  فكرية وثقافية متنوعة ، كتبت في الرياضيات والطبيعة والميتافيزيقا والموسيقى والأخلاق والسياسة لقد طرقت كل الأبواب الفكرية ووثقت بصمتها في كل معرفة وصلت إليهم وشاركت في جل الفنون والمعارف فقد كانت تسعى إلى صياغة موسوعة علمية ثقافية أو أشبه ماتكون بدائرة معارف وإرشيف شامل لثقافة وحضارة عصرهم . لا نعرف على وجه الدقة واليقين من هم هؤلاء الإخوان وكم عدد أعضائهم وماطبيعة إجتماعاتهم وطرق دراساتهم وأبحاثهم، هناك إشارات متفرقة ومبعثرة في المصادر الإسلامية ولعل ابن المقفع كان واحداً منهم؛...

تفكيك الإنسان:الإنسان حين يشرع انحرافه

الحضارة الغربية المعاصرة تجاوزت في انحرافها ما فعلته أية أمة قبلها، حتى أولئك الذين وصفهم القرآن بـ"السابقة في الفاحشة"، قوم لوط. لقد فعل قوم لوط فعلتهم مدفوعين بنزوة لحظية، لا بتقنين شرعي ولا بتأسيس ثقافي. أما اليوم، فقد تحولت الفاحشة إلى "هوية قانونية"، و"حالة وجودية"، بل إلى "حركة اجتماعية" تسعى لفرض تصورها على كل مكونات المجتمع. ما نراه ليس مجرد انحراف سلوكي، بل تفكيك جذري للوجود الإنساني كما عرفه البشر طوال التاريخ، وذلك وفق ما يسميه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو بـ"إعادة إنتاج الخطاب"، حيث تُنتَج المعاني وتُعاد صياغتها بقوة السلطة والمعرفة لتُصبح مرجعية جديدة. وفي هذا السياق، تم خلق خطاب "الهوية الجندرية"، الذي يعيد تعريف الذكورة والأنوثة ليس بوصفها حقائق بيولوجية، بل "بناءات اجتماعية" – وهو المفهوم الذي أطلقته جوديث بتلر في كتابها Gender Trouble، لتفتح الباب أمام فصل الجنس عن الجسد، والهوية عن الطبيعة. من الناحية النفسية، تتفق دراسات علم النفس الإكلينيكي على أن الميول غير النمطية ترتبط في كثير من الحالات بتجا...