اللغة التي تسكننا
كنتُ كثيراً ومازلت أتساءل: كيف يمكن لأمة أن تضع ذاكرتها في المخازن وتقفل عليها ثم تشكو من ضياع صوتها؟ نحن لا نفتقر إلى اللغة، بل نفتقر إلى ذلك الإيمان العميق بقدرتها على الحياة خارج صفحات الكتب القديمة. العربية ليست حروفاً جامدة نلقَّنها للصغار في مدارسنا وبيئتنا التعليمية ثم نتركها وحيدة ضائعة في زوايا الحياة الحديثة؛ إنها أشبه شيء ببيت واسع سكنته قرون ذوات عظيمة من التأملات والشعراء والجدالات والحنين والأدعية الطاهرة التي تعرج بنا إلى السماء وتلك الأسئلة الكبرى. ولعل أكثر ما يحزنني في هذا السياق أن كثيراً منا صار ينظر إلى تراثه كما ينظر الإنسان إلى أثاث قديم ورثه عن آبائه؛ يحتفظ به احتراماً لها، لا حباً بها، ويخجل أحياناً من إظهاره أمام العالم.
حين أتأمل العربية أشعر بأنها كيان لم تكن يوماً لغة باردة كسائر اللغات. لقد كانت لغة تسير في الأسواق وتجمعات البشر كما كانت تسير في كتب الفلاسفة، وتدخل في دعاء المتصوف الزاهد كما تدخل في حسابات الفلكي الحاذق، تلك لغة تستطيع أن تصف الرمال والنجوم والخوف واليقين والحب والألم والسعادة بالحرارة نفسها وبدرجة العمق ذاتها. لربما هذا ماجعلها باقية حية مشتعلة رغم كل مالحق بها وكل ما مر بها؛ لأن اللغات تصيبها الأمراض والأعراض وتموت كالبشر عندما تفقد قدرتها على حمل ذلك الشعور الإنساني.
ولا أعتقد بأن أزمتنا التي نعيشها مع العربية اليوم هي عجز في عمق اللغة ذاتها، بل هو عجزٌ فينا عن ضعفنا نحن فيما نقدمه ونبذله تجاهها. نحن نتعامل مع هذا التراث كما لو أنه شيء انتهى دوره، مع أن الأمم التي تحترم ذواتها وتقدر أصالتها وتميزها تعرف كيف تجعل الماضي يعمل لصالح مستقبلها. الياباني لا يحمل تاريخه فوق ظهره كعبء يثقله فيجاهد نفسه لحمله ، بل يحمله بفخر وطيب نفس ويضعه في قلب مصنعه ومدرسته وفنه ونمط حياته. أما نحن فكثيراً ما نضع تراثنا داخل صندوق ذهبي أنيق ثم نغلق عليه الباب، وكأن أفضل طريقة لتكريم لغتنا وتراثنا هو أن نعزلها عن الحياة التي تستحقها بجدارة.
أفكر أحياناً بأن تلك المخطوطات القديمة ليست مجرد أوراقاً صامتة ميتة، بل هي أرواح حقيقية تستمتع بقيلولتها منتظرة أحد منا أن يوقظها. في كتب الأدب القديمة، وفي الحكايات الشعبية، وفي الأمثال التي كانت الجدات يرددنها دون تكلف وتصنع، توجد صورة كاملة وعميقة للإنسان العربي وهو يفكر ويخاف ويحب ويأمل. لكننا عوض أن نحول هذا الإرث العظيم إلى نصوص عظيمة لروايات وأفلام وفنون وأفكار جديدة، تركناها تذبل تحت سماكة الغبار الأكاديمي أو تحت أقنعة الخطابات الإحتفالية الجافة.
و المشكلة لاتقف عند هذا الحد المؤلم بل تغوص وتتجذر في أعماقنا وتغير من أفكارنا أصبح بعضنا يظن أن هذا التقدم يقتضي منا التشبه الكامل بالآخر، وكأن هويتنا ولغتنا حجر أو أذى يجب إماطته عن طريقنا نحو الحداثة والتنمية. يجب أن تعلمون الإنسان بلا ذاكرة لا يصبح حديثاً، بل يصبح هشاً وضعيفاً سريع التلاشي ؛ لأن الحداثة الحقيقية ليست أن تستبدل وجهك بوجه آخر، ولا أن تغير صوتك بصوت آخر وإنما أن تدخل العصر بوجهك بكل ماتحمله من جيناتك التي ورثتها عن أسلافك ولكن تمتلك معها الأدوات الحديثة التي تعينك في أداء أعمالك بصورة أفضل. والعربية بكل ما تحمله من تاريخ شعري وروحي وفكري، ليست عائقاً أبداً ولم تكن عثرة أمام مستقبلنا، لو استعملناها حق استعمالها وكما ينبغي لنا أن نستخدمها ربما تكون إحدى الطرق التي تمنحنا ذلك الطريق نحو المستقبل بأشكال ومعاني مختلفة عن تصوراتنا.
إنني أؤمن أن اللغة لا تُنقذ بالخطب ولكن بإيجاد وظائف لها حين يعود الناس إلى التحدث بها في التعليم والشركات والأسواق والطرقات حين نعود إلى التفكير و الشعور بها، وإلى استخدامها في الفن والعلم والحياة اليومية بوصفها لغة قادرة على حمل كل تلك المعاني وصياغتها بصوت يزيدها عظمة وتألقاً وبهاء عندها فقط تستعيد العربية روحها وصوتها. فاللغات العظيمة لا تعيش لأن المؤسسات حمتها، بل لأن أصحابها شعروا أن جزء من ذواتهم يذوب ويختفي كلما قل الإعتناء بها.
تعليقات
إرسال تعليق