تفكيك الإنسان:الإنسان حين يشرع انحرافه


الحضارة الغربية المعاصرة تجاوزت في انحرافها ما فعلته أية أمة قبلها، حتى أولئك الذين وصفهم القرآن بـ"السابقة في الفاحشة"، قوم لوط. لقد فعل قوم لوط فعلتهم مدفوعين بنزوة لحظية، لا بتقنين شرعي ولا بتأسيس ثقافي. أما اليوم، فقد تحولت الفاحشة إلى "هوية قانونية"، و"حالة وجودية"، بل إلى "حركة اجتماعية" تسعى لفرض تصورها على كل مكونات المجتمع.

ما نراه ليس مجرد انحراف سلوكي، بل تفكيك جذري للوجود الإنساني كما عرفه البشر طوال التاريخ، وذلك وفق ما يسميه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو بـ"إعادة إنتاج الخطاب"، حيث تُنتَج المعاني وتُعاد صياغتها بقوة السلطة والمعرفة لتُصبح مرجعية جديدة. وفي هذا السياق، تم خلق خطاب "الهوية الجندرية"، الذي يعيد تعريف الذكورة والأنوثة ليس بوصفها حقائق بيولوجية، بل "بناءات اجتماعية" – وهو المفهوم الذي أطلقته جوديث بتلر في كتابها Gender Trouble، لتفتح الباب أمام فصل الجنس عن الجسد، والهوية عن الطبيعة.

من الناحية النفسية، تتفق دراسات علم النفس الإكلينيكي على أن الميول غير النمطية ترتبط في كثير من الحالات بتجارب الطفولة المعقدة، مثل غياب الأب، أو التحرش، أو التفكك الأسري. وقد أشار الطبيب النفسي الأمريكي جوزيف نيكولوسي إلى أن نسبة كبيرة من ذوي الميول المثلية الذين عالجهم كان لديهم نمط من العلاقات الأسرية غير المتوازنة، خصوصًا غياب الحضور الأبوي، أو وجود أم متسلطة عاطفيًا. ولكن بدلاً من فهم هذه الجذور كاضطرابات تحتاج إلى رعاية أو فهم، جرى تحويلها إلى "حقوق" و"اختيارات" غير قابلة للنقاش.

اجتماعيًا، ما يحدث يتجاوز الأفراد إلى البنية الثقافية نفسها، إذ باتت المؤسسات تتبنى هذا الانحراف. وفقًا لنظرية "النوافذ المحطمة" (Broken Windows Theory) التي طوّرها جيمس ويلسون وجورج كيلنغ، فإن تطبيع السلوك المنحرف – حتى وإن بدا صغيرًا – يفتح المجال لانهيار النظام الأخلاقي. فإذا قُبل الشذوذ بوصفه “تنوّعًا”، فإن كل القيم الأخرى تصبح عرضة للتقويض بالتدريج، لأن الأساس الأخلاقي الذي كان يمنح الأشياء معناها قد أُزيل.

ومن الجانب الفلسفي، فإن أزمة الحضارة الغربية الراهنة تكمن في المذهب الإنساني المادي، الذي ينكر أي مرجعية فوق الإنسان، ويجعل من رغباته المعيار الأعلى. هذا التيار، الذي بدأ مع الوجودية الإلحادية عند سارتر ونيتشه، وتمأسس في الثقافة الغربية، أدى إلى تسليع الإنسان وجعله عبدًا لجسده، وفقًا لفكرة "إرادة القوة" النيتشوية، التي تبرر الانحراف بوصفه "تحررًا من الأخلاق السائدة" التي يعتبرها نيتشه "أخلاق العبيد".

وهنا يتلاقى التفكيك الفلسفي مع خطاب السوق؛ فشركات كبرى، كأمازون وديزني ونتفلكس، لا تدعم هذا الانحراف بدافع القناعة الأخلاقية، بل لأن الرأسمالية المتوحشة وجدت في هذه الهويات المستحدثة سوقًا جديدة للاستهلاك. وقد أشار الاقتصادي هربرت ماركوز إلى هذه الظاهرة في نقده للمجتمع الصناعي المتقدم، حيث يتم استخدام الحرية الشكلية لتضليل الجماهير، وتوجيه طاقاتهم إلى ما يخدم السوق.

أما النتائج النفسية والاجتماعية لهذا الانحراف، فقد كشفت الدراسات ارتفاعًا مقلقًا في معدلات الاكتئاب، والانتحار، واضطرابات الهوية، بين الأفراد الذين ينخرطون في هذا المسار. دراسة منشورة في مجلة Journal of Adolescent Health أظهرت أن نسبة محاولات الانتحار بين الشباب "المتحولين" تصل إلى 40%، وهو رقم يفوق بكثير المعدلات العامة، ما ينسف ادعاء أن القبول المجتمعي يحل الإشكال النفسي.

إن ما يحدث ليس مجرد تغيير سلوك، بل تفكيك شامل للفطرة، واستبدالها بنموذج عبثي للوجود، يفصل الإنسان عن جذوره النفسية، وعن غايته الوجودية، ويتركه عاريًا أمام رغباته. وقد حذر الفيلسوف ألسدير ماكنتاير في كتابه After Virtue من أن الحضارة الغربية دخلت مرحلة ما بعد الفضيلة، حيث لم يعد هناك إجماع على الخير أو الشر، بل فقط تعارض لا عقلاني بين الأذواق.

لكن الفطرة لا تموت. إنها مستترة في الأعماق، مغطاة فقط بطبقات من الترويض الإعلامي والتكييف الاجتماعي. وهي تنتظر صوتًا صادقًا يوقظها من سباتها، ليهمس: "هذا ليس الإنسان... هذا ليس النور... هذا ليس الحق".

لكن الفطرة لا تموت… هذا هو الوعد الذي خُلق مع الإنسان، ونفَس الحياة الذي نُفخ في طينته الأولى. وإن غابت الأصوات، وخفتت الدعوات، وتبددت معالم الطريق في ضجيج الحضارة المتسارعة، فإن بوصلة القلب تبقى تتجه نحو أصلها، نحو معنى أعمق من التكيّف، وأصدق من الادّعاء. وفي خضم هذه العاصفة التي اجتاحت مفاهيم الهوية، والحق، والكرامة، يولد السؤال الفطري من جديد: من نحن؟ ولماذا نحن؟ وما هو الخير في زمن "ما بعد الحقيقة"؟

إن الإنسان لا يُعرف بمجرد رغبته، ولا يُحدد هويته بما يشتهيه، بل بما يسمو إليه، وما يضحّي من أجله. والفطرة ليست كيانًا هشًّا يُعيد تشكيله الإعلام أو القوانين، بل نداء داخلي، صوت خافت لكنه ثابت، يقول لصاحبه: “لست آلة رغبات، ولا منتَجًا لهوية مصنّعة... أنت مخلوقٌ له غاية.”

في هذه اللحظة من التاريخ، ليست معركتنا مع الشذوذ، أو مع الهوية الجندرية، أو مع خطاب السوق فحسب، بل مع الصورة التي نريد أن نرسمها للإنسان. هل هو كائن متروك لرغباته؟ أم هو كائن يسمو على غرائزه ليبحث عن معنى؟ الحضارة الغربية المعاصرة، وقد أغوتها أدواتها، وتراكمت عليها قرون من العقلانية المفككة، اختارت أن تُخرِس هذا السؤال، وأن تستبدله بمعايير جديدة، مفادها: “افعل ما تريد، فقط لا تعارض السوق، ولا تُشكك في الهويات المعتمدة.”

لكن ثمة يقظة تتخلق في صمت. جيل جديد، يرى خلف الألوان الزاهية طيفًا باهتًا من الضياع . يقرأ في عيون زملائه المراهقين حيرةً لم يكن لها وجود في أجيال سابقة. يشهد كيف تتحول مؤسسات التعليم إلى مختبرات تجريبية للهويات، وكيف تصبح الطفولة هدفًا لأجندات لا تُبقي براءة، ولا تترك فطرة.

هذا الجيل، إن وعى، سيكون بداية الاسترداد. فكما كانت الحضارات تُبعث من تحت الأنقاض حين تُسترد الحقيقة، كذلك ستُبعث الإنسانية حين نعيد تعريف الإنسان لا بوصفه جسدًا يُلبي شهوة، ولا بوصفه ذاتًا تبحث عن تعبير، بل كروح تحمل رسالة.

الفطرة ليست فقط ما نولد عليه، بل ما نُبعث عليه، إن اخترنا طريق الصدق. فالسؤال إذن: هل نملك شجاعة الصدق؟ هل نجرؤ على أن نقول للعالم: هذا الطريق لا يؤدي إلى نور… هذه الحرية ليست حرية… وهذه الهوية ليست هوية؟”

المعركة اليوم ليست ضد الغرب، بل ضد النموذج الذي يراد لنا أن نكونه. ذلك النموذج الذي يقف ضد فكرة الإنسان المنفصل عن غايته، المقطوع من أصل السماء التي تصله بخالقه، الذي يلهث خلف أوهام التمكين وهو ينهار من الداخل. إنها معركة في الأعماق، بين إنسان يتذكّر، وآخر يُعاد تشكيله دون وعي ، ولن ينتصر فيها الأكثرية ولا الأعلى صوتًا، بل  الأصدق إخلاصاً لإنسانيته .


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نقد المنطق

الوجه المظلم للمثقف

إخوان الصفا