الإحتباس الشعري
مرحلة الاحتباس الشعري هي أسوأ ما يمر به الشاعر، ليس لأنها تعني الصمت فحسب، بل لأنها تُشبه فقدان الحاسة التي يُدرك ويستشعر بها ذاته ومحيطه والعالم من حوله. هي ليست مجرّد توقف عن فعل الكتابة، بل هو غياب في الذات للنبض الذي كان يحرك مجرى اللغة من أعصابه إلى أوراقه . في هذه المرحلة، يتوقف الشعر بتعالي عن زيارته المعتادة، ويختفي الإلهام ويعلن عن إقلاعه، وتجفّ ينابيع الصور، ويشعر حينها الشاعر كما لو أنه قد أصبح غريبًا عن ذاته التي يعرفها، وعن الكلمات التي غاضت وطالما كانت تفيض وتنبع من بين يديه كأنهر تتوق لمصبها.
الاحتباس الشعري ياسادة لا يصاب به الشاعر الضعيف وحده، بل يُداهم ويغزو أنبغ الشعراء وأعظمهم موهبة وتجربة في نسج القوافي. إنه جزء من دورة الإبداع الشعرية التي تصيب الشعراء على فترات متقطعة وكأنها مرحلة معالجة وصيانة وصقل لتلك الآلةالتي تنتج الشعر، لكنّه حين يحلّ ويتدفق من جديد وتهطل مفرداته كبَرد السماء الذي قدم بعد غياب فيروي فينا ما قد يبس وذبل، يبدو وكأنه لا ينوي الرحيل فيطيب له المقام . و يحاول الشاعر الكتابة، فلا تستجيب له القوافي، ولا تتولد في ذهنه صور جديدة، وإن ولدت بدت باهتة خالية من الجمال، متكررة، خالية من روحها القوية. يصبح الشعر عبئًا، بعد أن كان خلاصًا. وتتحول الكتابة إلى نوع من النحت في الصخر، لا غُرْفة يغترفها من نهر عذب.
يعيش الشاعر في هذه المرحلة حالة من الاغتراب عن لغته وصوته، وعن طاقته الداخلية التي طالما كانت مشتعلة يقودها بيده . يعيد قراءة نصوصه القديمة بدهشة الغريب: "كيف كتبت هذا؟ ومن أين أتى ؟" فيخاف، لا من الصمت الذي تلبس به فحسب، بل من فكرة أنه ربما فقد تلك القدرة إلى الأبد على إنتاج تلك الحاسة الذهبية. هذا الخوف يعمّق الجرح ، ويغذّي فيه حالة من القلق الوجودي، إذ أن الشاعر لا يكتب الشعر وينظمه، بل هو نفسه يتحوّل إلى شعلة شعورية فيخرج منه ذلك الكائن الذي يسمى شعراً حين يكتب. فإذا سُلبت منه هذه القدرة النبيلة، فبأي عينٍ سيشاهد الحياة؟ وبأي لسان سيحكيها؟ وبأي ألحان سينشدها؟
ومما يزيد الأمر قسوة أن هذه المرحلة المظلمة لا تخضع للمنطق أو للجدول الزمني بحيث لا موعد ينتظر منه العودة. ولا تنفع معها القراءة المكثفة ، ولا تحلها العزلة ولا الخُلطة. قد يخرج الشاعر منها صدفة، بلا مقدمات، من بعد سماع لحن، أو لقاء عابر، أو لحظة تأمل عابرة. وقد تستمر طويلًا رغم كل المحاولات التي تحاول إغراء الشعر بعودته. وكأن الشعر، يحمل في جوهره وجعبته، قرار لا يصدر عن العقل ولا عن الإرادة أو الرغبة التي تتملك الشاعر للكتابة، بل عن طاقة مجهولة المصدر لاتعرف ولا تبصر، لا يستدعيها الشاعر بل تنتخبه هي حين ترغب فيه.
ومع ذلك، فإن في قلب هذه المرحلة العصيبة والغريبة معاني ومعاناة تخفى، لا يدركها الشاعر إلا لاحقًا. ففي الاحتباس، يُعاد تشكيل الذات الشاعرة، فتنقى الذائقة، و يغربل فيها الوعي، ويتهيأ من جديد الجسد والروح لاستقبال نضج جديد وسحر فريد . هي ليست موتًا ولا إندثاراً للقصيدة، بل فترة كمونها، فكما تخفت النجوم في النهار، لا لأنها غابت، بل لأن الضوء فيها وبيئتها تغيّرت.
الإحتباس الشعري، على قسوته فينا، ليس نهاية الطريق وإنعدامه، بل إشارة إلى مفترق طرق مختلفة. إنها اللحظة التي يُمتحَن فيها الشاعر ويصقل، لا على مستوى اللغة أو التجربة الإنسانية، بل على مستوى الإيمان الإبداعي والإصرار الذاتي: هل يكتب لنفسه ، أم يكتب لغيره ؟ هل الكتابة في حياته وسيلة للتعبير عن ذاته، أم وسيلة استعراضية للظهور ؟ الاحتباس فينا لا يجيب، بل هو من يطرح هذه الأسئلة ويتركها معلقة في ساحةالعقل.
وإذا كان الشعر مرآة الروح فينا أو إنعكاسها، فإن الصمت الذي يطوقنا ويفرضه علينا هذا الاحتباس هو الغبار الذي لا بد أن يمسح وينفض عن أرواحنا حتى يتم إستقبال ذلك الضيف الكبير . لذلك فإن الاحتباس، في وجهه الآخر، علامة صحة وتنقية لا عطب وتنحية، لأنه يكشف للشاعر مدى هشاشته وضآلته، ويذكره بأن الشعر ليس مهارة ذاتية محفوظة بطريقة ميكانيكية ، بل زائر كريم ومهيب لا يأتي ولايقدم إلا لمن يستحق مجلسه.
ولهذا فإن أسوأ مرحلة في حياة الشاعر، هي أيضًا أكثرها عمقًا ونفعاً. صمته، إن صبر عليه ولم يغرق فيه، سيتحول يومًا ما إلى نص أكثر إدهاشاً وأجود إشعاعاً، لأن القصيدة حين تعود بعد غياب، تعود وهي مشبعة بندى الانتظار، وحرارة الإشتياق، وصدق التجربة التي تحملها المفردة.
فلا أكرم ولا أنبل من قصيدة كتبها شاعر كان يظن بأنه ظل طريق الشعر وفقده إلى الأبد.
تعليقات
إرسال تعليق