لم أكن وحيدًا…
لم أكن وحيدًا وكيف أكون كذلك، والشعر كان يسير إلى جانبي كعاشقٍ قديم، يضع يده في جيبي، ويلهو عابثاً في حجرات قلبي وساحة فكري كلما شعرت بالبرد؟ ضمني إليه مخففاً عني بدفء حرارته وعطفه. الشعر رفيقاً يعرف أسمي ويفهمني من صمتي ومن تلعثمي، والشعر مدينة سكنت في منازلها وسرت في شوارعها وسهرت على شواطئها وولجت محلاتها وأسواقها ومقاهي الليل الحالمة، وهو صديقًا نبيلاً لا يسألني: لماذا تأخرت؟ بل يقول: تعال أقبل كما أنت بلا تقديم أعتذار ولا تبتدئني بحوار ، أقبل بكل أطوارك متعبًا، مشوشًا، غاضباً لا عليك فهذه الأنماط المختلفة أهم لبنات بناء أساسات مادة الكتابة وقواعدها الأولى التي تقوم عليها وتدعم بنائها.
كنت أمشي في الشوارع، أتامل الناس وهم يسيرون في اتجاهاتٍ ومسالك مختلفة ، أما أنا فكنت أسير إلى نفسي وألج إلى ذاتي. هناك في تلك الحجرات السرّية، كان الشعر يفتح أبوابه ونوافذه كلها دفعة واحدة، فتدخل الشمس بلا استئذان، ويدخل معها الضجيج، والضحك، والخذلان، والنسيان ورائحة القهوة، وأصوات الذكريات. كل شيء كان صالحًا وقابلاً لأن يتحوّل إلى ذلك الكائن إلى لغة ذلك العالم الساحر عالم الشعر، وفي ذلك العالم ، يُرفع من عوالمه وحياته الإعتيادية الروتينية إلى مرتبة الدهشة والمجاز.
الشعر لم يكن مجرد ورقاً ودفترًا مهملاً على تلك الطاولة، بل كان حياةً شاسعة وعوالم موازية لاحد لحدودها ولا يابسة لبحارها. كان يمسك بيدي مرشداً ومعلماً يعلّمني أن الحب لا يُقاس بما نمتلكه، بل بما نخسره ويضيع منا ونحن نبتسم، كان يعلمني أن الحزن ليس خصمًا وعدواً، بل هو معلّمٌ نبيل صارم وحازم يصرّ على أن نفهم الدرس كاملًا بطريقته. فكل المواقف التي مرّت في حياتي تركت في أثرًا لايمحى ، وكل أثر صار استعارة مقنعة، وكل استعارة صارت سطرًا يبحث عن قارئ يشبهني.
لم أكتب الشعر لأكون شاعرًا، بل لأبقي إنسانًا. لأقول: أنا هنا، أتنفّس، أخطئ، أغار، أحب، وأنكسر دون أن أعتذر. الشعر كان يعلّمني الجرأة؛ والإقدام أن أقول بلا خجل «أحبك» دون قناع أتقنع به، وأن أقول «تعبت» دون خجل من ضعفي، وأن أضع قلبي وأسكبه بكل تناقضاته وعثراته على الورق كما توضع النبتة في حوضها: إمّا أن تُشمّ، أو تذبل، ولا خيار ثالث لمصيرها.
وفي تلك المقاهي التي تحدثت عنها ، بين فنجانٍ ذاهب وآخر في إياب، كنت أراقب الحياة من حولي وهي تمرّ خفيفة كحمامة تعرف طريقها إلى عشها تسير بإنسياب إليه. النادل الأنيق ، المرأة التي تطعم طفلها، وذلك الرجل الذي يحدّق في هاتفه بإمعان شديد كمن ينتظر معجزة آن آوانها والصبيان الذين يتناقشون بحدة عن التسلل الذي حدث في مباراة الأمس … كلهم كانوا قصائد مؤجَّلة. فالشعر، هو ذلك اللصّ الجميل، كان يسرقهم مني واحدًا تلو الآخر، ويعيدهم إليّ بحلة أجمل وبملامح ساحرة أكثر وضوحاً وحدة .
علّمني الشعر أن أسير بلا مظلّة، أن أترك المطر يبلّل أفكاري، وأن لا أخاف من البلل وأعتاد عليه . علّمني أن الكلمات التي نصنعها ليست زينة نزين بها صفحاتنا، بل مصائر، فكل جملة نبتكرها حين نكتب بذلك الحس والإيقاع الصادق تستطيع أن تغيّر مزاج يومٍ كامل، وربما تتكفل بتغيير واقع وحياة ذوات كانت تبحث عن معنى كان متواري عن الأنظار.
وحين أتأمل اليوم تلك الحروف والسطور والقوافي والمعاني التي تقف ورائها لا أحصي عدد القصائد، بل أحصي عدد المرّات التي أنقذني فيها الشعر من التجمد من اليباس والتكسر. أبتسم لكم الآن وأكررها بصدق: لم أكن وحيدًا يومًا من الأيام. فقد كان الشعر هناك، يملأ فراغي ويصحبني، ويعلّق قلبي على حبال الضوء، ويهمس لي كلما أردت أن أتحدث إليه : أكتب فأنا أطرب لسماعك أكتب فالحياة يارفيق الدروب تحبّ من يكتبها.
تعليقات
إرسال تعليق