في فم الحكاية يسكن الإنسان
في زاوية خفية من العقل البشري، تقيم الحكايات، وتنسج الخرافات والأساطير عباءتها العتيقة فوق وجدان الإنسان، كما تكسو الغابة الغامضة أرضها برذاذ الضباب. ليست قراءة الأعمال الخيالية والخرافية والأساطير الشعبية هواية عابرة، أو ترفًا فكريًا يتسلى به المرء في فسحة من أوقاته الفاضلة، بل هي عودة إلى النبع الأول الذي تدفق منه وعي الإنسان، وهي محاولة عميقة للغوص في مياه اللاوعي العميقة حيث تُصاغ هناك رموز الوجود، وتُخلَق العوالم لا بالحساب والمنطق، بل بالحدس والرؤى والأحلام.
في بداية نشأة الحكايات لم تُكتب وتسطر على الجلود والأوراق والبرُدي العتيقة، بل رُويت على ضوء النيران، في دائرة تحلقت حولها محفوفة بالصمت والتوجس، حيث يجلس الجدّ الخبير بالحياة صاحب التجارب القديمة، بعينين تلمع كلمعان النجوم، يسرد لأحفاده عن حكايا الجنّ الذي يسكن الجبال، والغول الذي يخطف الغافلين، والعنقاء التي تُبعث من رمادِها في كل حين، والسر الذي لا يعرفه أحد إلا من عبر صحراء الروح وجاع. كانت تلك الحكايات جسرًا بين عالمين: عالم المعلوم الملموس، وعالم الخيال العجيب حيث تسكن هناك الحقيقة العارية في ثوب المجاز.
وحين تطور الإنسان، وبنى مدنه وأسواقه، وظن أنه تخلّى عن الغيبيات والخرافة، عاد من حيث لا يشعر بهذه العودة إلى الحكاية، لكنه عاد إليها متنكّرًا، يرتدي قبعة الفيلسوف ومتوشحاً بعباءة العلم ومتعطراً برذاذ الأدب الأنيق. لكنه، في جوهره، الإنساني لم يغادر عتبات الحكاية قط، بل ظلّ يحاورها ويعالجه، ويعيد صياغتها بطرق شتى.
في "ألف ليلة وليلة"، تتجسد عبقرية الإنسان الشرقي في أعلى تجلياتها السردية. لم تكن الليالي ألفًا واحدة، بل هي أبدية سرمدية تتجدد كلما حكينا، كلما أنصتنا لشهرزاد وهي تنقذ نفسها بالحكاية، وتنقذ معها العالم من الصمت والفناء. هناك في قصصها، نلمس همسات الخرافة ونبضات الحكمة، ونجد فيها الإنسان بكل تقلباته: ظالمًا، عاشقًا، جبانًا، حكيمًا، حالمًا... هناك علاء الدين، سندباد، علي بابا، ملك الجنّ، الجارية الماكرة، والعاشق الذي قتلته الكلمة. إن هذه الشخصيات ليست محض خيال، بل هي إسقاطات لقلقنا وأحلامنا، رموز لما لا نستطيع قوله صراحة فنقوله مقنعاً بالمجاز.
وعلى منوالها حكايات الدنماركي هانس كريستيان أندرسن، فهي ليست حلوى للأطفال كما يظن البعض، بل هي مسرح واسع وشاسع للوجع الإنساني مغلف بأناقة بورق الهدايا. "بائعة الكبريت" لا تحكي فقط عن طفلة تموت بردًا، بل عن قلب العالم البارد المريض، عن أمل يُشعل نفسه ليضيء لحظة للإنسان علها تستيقظ فيه إنسانيته الخامدة. "البطة القبيحة" لم تكن حكاية طفولية عن طائر متخيل، بل كانت ترنيمة صامتة عن الهوية، والرفض، والتحوّل وتقبل الآخر إنها بالضرورة تعكس حالة أندرسن الذي يرى نفسه منبوذاً من قبل مجتمعه بسبب صورته التي ينفر منها الناس.
ثم نلحق هناك في الأساطير الإسكندنافية، تلك الحكايات التي نُحتت بالثلج والنار، حيث تقف الآلهة على أبواب القيامة، وتقاتل الفوضى التي ستبتلع كل شيء في "راغناروك". في قصة أودين، الذي يضحي بعينه لأجل الحكمة، نقرأ فيها استعارة مؤلمة وعميقة عن ثمن المعرفة، وعن الجرح الذي لا يُشفى منها، لأن صاحبها اختار لنفسه أن يرى أكثر مما يجب على بصره إدراكه.
وهكذا أيضًا نجد في الأساطير اليونانية كأوديسة هوميروس، بطلًا ضائعًا بين الجزر، يشتهي العودة لكنه يتعثر في غوايات النساء الساحرات، والبحار الشاسعة الموحشة. وفي "بروميثيوس" ذلك الفدائي الذي سرق النار من الآلهة ليمنحها للإنسان، نرى تجسيداً لصورة للمثقف الملعون، للمتمرد الذي يُصلب كل يوم على صخرة الحقيقة، ويأكل النسر كبده لكنه لا يموت.
وإن خرجنا من الغرب إلى الشرق البعيد، وجدنا في "الماهابهاراتا" الهندية، وفي "رامايانا"، ملاحم لا تقل روعة أو عمقًا، حيث الآلهة تمشي بين الناس، والحروب ليست فقط على الأرض، بل كانت في داخل القلوب، في معارك العدل والهوى، الواجب والرغبة، المصير والاختيار.
في هذه الأعمال كلها، نكتشف سرًا عميقًا: بأن الحكاية الخرافية هي الشكل الأوليّ للفكر، إنها المنبع الذي خرجت منه الفلسفة، والمعرفة، والعلم، والفن. إنها ليست بديلًا عن الحقيقة، بل لغة أخرى لقولها. ولذلك قال ألبرت أينشتاين، العالم الذي رأى الكون بعين الفيزيائي وروح الحالم:
"الخيال أهم من المعرفة. فالمعرفة محدودة، أما الخيال فيطوق العالم."
لم يكن أينشتاين يبالغ. فقد أدرك أن ما يخلق القفزات العظيمة في المعرفة ليس الحساب وحده، بل القدرة على تخيل ما لا يُرى، ورؤية ما لم يُبصر بعد. الخيال هو الجسر بين الممكن والمستحيل، بين الحاضر والمستقبل.
قراءة الأساطير والقصص الخرافية ليست هروبًا من الواقع، بل هي اقتحام لأعماقه بعيون جديدة. هي محاولة لفهم الإنسان من داخله، لفكّ شفراته الداخلية. إن كل حكاية خرافية نقرؤها، وكل أسطورة نطالعها، تعلّمنا درسًا في النفس، في التوق، في الجمال، في الحزن، في الحلم، وفي القدرة العجيبة التي يمتلكها الإنسان ليخلق عالمًا آخر حين يضيق عليه هذا العالم.
إننا نقرأ هذه الأعمال لا لنصدقها كما هي، بل لنفهم أنفسنا من خلالها. نقرأها لأننا نحتاج إلى أن نحلم، لأننا لا نستطيع أن نعيش الحقيقة وحدها. ففي الخرافة حكمة مقنّعة، وفي الأسطورة بصيرة قد لا نجدها في كتب العلم، وفي الخيال ملاذ لا يعترف بالجدران.
إن الذين ينظرون إلى هذه الأعمال نظرة استعلاء، كمن يرفض أن يحلم، ويصرّ على أن يعيش في النهار فقط، غير مدرك أن نصف الحياة يكمن في الليل، حيث تولد القصص، وتختمر الأساطير، وتبدأ الأرواح في الحديث عن ذواتها.
تعليقات
إرسال تعليق