الورقة البيضاء..
أنظر بصمت إلى دواوين الشعر المبعثرة على الطاولة، لا أمدّ يدي، لا أحرّك شيئًا، فقط أراقب كما يراقب الموج بعضه دون أن يتساءل من أين يبدأ التدفق. تراصّت الكتب كأنها في طابور انتظار طويل، ملّت الوقوف لكنها لا تملك الاعتراض، وها هي كتب الأدب العتيقة تتكوم في الزوايا، يعلوها غبار خفيف كأنه بقايا فتات الزمن، تتبرم من الزحام، ومن انعدام الأكسجين في هذا الحيز الضيق، وكأنها في رحلة نقل جماعي باردة، كل كتاب يحمل ملامح راكب مختلف، ومع ذلك، يسود الصمت بينهم كاتفاق غير معلن.
تلك الأوراق البيضاء الممددة على سطح المكتب تلتفت إليّ بنظرات خاوية، تنتظر ما سأنحت فوقها من أفكار، ليست بيضاء تمامًا، بل مشوبة بالاحتمالات، كأن كل ورقة تهمس: "هل أكون خيبة جديدة أم انبعاثًا خلاقاً جديدًا؟" أشعر بثقل البدايات، وكأن البداية فعلٌ لا ينتمي للإرادة، بل للارتطام المفاجئ بين الداخل المزدحم والسطور الفارغة. كل شيء ساكن، لكنه ليس ميتًا، كل شيء صامت، لكنه ليس بريئًا، ثمة عيون للحروف تتلصص من جدران الذاكرة، تحاصرني بلطف قاتل.
الأفكار لا تأتي حين أطلبها، تأتي حين تشاء، تتقدّم في صمت، تدوس على أعصابي برؤوس أصابعها، وتجلس قبالتي ببرود، تلوّح لي كأنها تنتقم من كل المرات التي خذلت فيها الكتابة. أتأمل المشهد كاملاً: مكتبة تشبه مدينة مزدحمة، وأوراق بيضاء كأنها منازل تنتظر سكانها، وقلم وحيد يشعر بالبرد في يد مترددة. لا موسيقى، لا قهوة، لا شيء سوى سكون ضاجّ بتفاصيل لا تُرى.
أحاول أن أكتب، لا لأفرغ ما بداخلي، بل لأُسكته. الكتابة ليست فعلًا نقيًّا دائمًا، أحيانًا تكون فوضى تنزلق من بين الأصابع لتتحوّل إلى جمل نصف مكتملة، عرجاء، تلهث بحثًا عن معنى. أكتب لأتحاشى الجنون، لأتجنب سؤالًا سخيفًا من النوع الذي لا يجيب عليه أحد، أو لأثبت لنفسي أنني ما زلت قادرًا على الإمساك بخيط الفكرة قبل أن تتبخر.
أكتب لأن القصيدة التي لم تُكتب بعد تطرق جدران رأسي، تشتكي من الزحام، من التأجيل، من خوفي منها. أكتب لأن كل حرف يسكنني يُهدد بالهروب، وكل ورقة تنتظرني تحاكم صمتي. في هذه اللحظة، لا أطلب الإلهام، لا أفتّش عنه، فقط أريده أن يشعر بوجودي، أن يعلم أنني هنا، أراقب، أرتّب، أختنق، وأكتب.
وتلك القصة التي رفضتُ عنوانها، لا لشيء إلا لأن كل عنوان بدا لي خيانة، إما أن يختصرها في ما لا تحتمله، أو يعلّق على جبهتها لافتة لا تليق بوجهها، فآثرتُ أن أتركها تمشي بلا اسم، كأنها غريبة عبرت الحكايات ولم تجد لها وطناً يُنسب إليها. كنت أكتبها كمن يعتذر لنفسه، أمدّ الحروف كجسور مكسورة، أرتّق الفراغ بين السطور بشيء من الإيمان بأن المعنى قد يولد من العدم.
أما القصيدة التي نسجتها ذات ليلة مرتعشة، فقد تهالكت وتراخت أوزانها، كأنها تعبت من كثرة محاولاتي في أن أجعلها تقف مستقيمة على خشبة المعنى. كانت تنبض أول الأمر، تتحرّك بين سطوري ككائن حي، ثم فجأة، كأن تيارًا كهربائيًا انقطع عن روحها، سقطت الأبيات كأجساد فقدت التوازن، وتشابكت القوافي بلا نغمة، كأنها تصرخ بي: "أعدني إلى العتمة، لم أُخلق للنور بعد."
ربما لم تكن القصيدة مكسورة، ربما كنت أنا المنكسر، والشعر مرآة لا تُجامل أحد حتى صانعها. ربما كتبتها من مكان بارد، من وجع غير ناضج بعد، أو من صمت لم يُترجم جيدًا. كل بيت فيها كان محاولة للنجاة، وكل محاولة كانت تبوء بخيبة أجمل من النجاح، خيبة تهمس لي: "اكتبني كما أنا، لا كما تريدني أن أكون."
أعود إلى طاولتي، حيث الأوراق البيضاء ما زالت تنتظر، والكتب المتعبة تراقبني كشيخٍ هرمٍ يعرف أنني لن أفلح في هذا المساء. أتنهد، أستمع إلى همس داخلي يقول: لا بأس، اكتب الرديء الآن، كي يفسح الجمال طريقه لاحقًا. اكتب ما يتهاوى، كي تعرف كيف تبني، اكتب كل ما لا يُقال، فربما في تراخي الوزن يكمن لحنٌ لم يُكتشف بعد، وربما القصة التي لا عنوان لها، هي بالضبط ما يجب أن يُروى.
وأنا أزرع المعنى في أرضٍ لم يطأها أحد، لا أرجو حصادًا سريعًا، ولا أبحث عن إعجابٍ عابر، بل أكتب لأني إن لم أفعل، تسربت مني الأيام كما تتسرب المياه من يدٍ لا تمسك شيئًا. أكتب لأن الكتابة وحدها تُعيد ترتيب داخلي حين يضطرب، وتضعني في مواجهة حقيقية مع ما أهرب منه، مع ما لا يُقال، ولا يُحكى، لكنه يظل يئن في الزوايا البعيدة من الذاكرة.
أحيانًا أشعر أن الكلمات لا تُولد حين أستدعيها، بل حين تتعب من انتظاري، فتخرج من تلقاء نفسها، تمشي نحوي على مهل، تتثاءب، وتقول: "آن لك أن تصغي". فأجلس، لا ككاتب، بل كمنصتٍ خائف، كأنني على وشك أن أسمع اعترافًا خطيرًا من صديق قديم. وبين كل سطر وسطر، أشعر أنني لا أكتب النص وحده، بل أكتبني، بأخطائي، بترددي، بكل ذلك الضجيج الذي ألبسه كل صباح وأخرج به إلى الحياة.
الكتابة عندي ليست مشروعًا ولا مهنة، هي محاولة يومية لفهم هذا الركام الذي يملأني. لذلك حين تهالكت القصيدة، لم أعدها فشلًا، بل مرآة صدق لمزاجي المتعثر، لبُعد المسافة بين ما أشعر به وما أستطيع قوله. وحين تاه عنوان القصة، لم أركض وراءه، بل تركته يضيع، لأن بعض القصص لا تُروى بالعناوين، بل تُعاش بصمت، وتُقرأ بين السطور فقط.
وما بين قصة بلا عنوان وقصيدة أنهكها ثقل الوزن، أجدني أتنقّل كمن يجمع شتات ذاته لا أوراقه. لا أبحث عن نصٍ مكتمل، بل عن جملة صادقة، عن لحظة تُشبهني وسط زحام من الكلمات التي تُحسن التجمّل ولا تحسن البوح. ربما لهذا لا أنهي ما أبدأه بسهولة؛ لأن النهاية في داخلي ليست نقطة، بل سؤال لا يكفّ عن التمدد: هل قلتُ كل شيء؟ وهل قولي كان حقًا لي؟ أم أنني كتبت ما أرادني الخوف أن أكتبه؟
هناك حبرٌ كثير لم يُسكب بعد، لكنه لا يخرج، كأن الذاكرة تُغلق أبوابها في وجهي، وكأنني كلما اقتربت من الحقيقة، ابتعدت عن الكتابة. شيءٌ ما يربكني في لحظة البوح، يعرقل انسياب الكلمات، يجعلني أعيد قراءة السطر عشر مرات، وكأني لا أكتبه بيدي، بل بأجزاء خفيّة مني لا أجرؤ على لمسها. هذا هو السطر الصعب، السطر الذي لا يُكتَب من أجل القرّاء، بل من أجل الصمت الذي ينام في أعماقي ويستيقظ عند أول رعشة حبر.
الكتابة بالنسبة لي ليست مهارة أستعرضها، بل هي ضعف أرتبه بعناية، كأنني أضع حزني في إطار وأعلّقه على جدارٍ لا يراه أحد. وكل مرة أكتب فيها، أنقّب في ذاكرتي كما ينقّب عاملٌ في منجمٍ مظلم، لا يدري إن كان سيجد ذهبًا أم صدى وقع أقدامه فقط.
ولذلك، لا أستعجل الورقة البيضاء، ولا أرجو من القصائد أن تكون جميلة، يكفيني أن تكون صادقة، أن تقف أمامي منهكة مثلي، وتقول دون تكلف: "ها نحن، كُتِبنا كما نحن، لا كما يجب أن نكون."
تعليقات
إرسال تعليق