الزمن في عين المؤرخ وفي قلب الروائي
يبدو أن العلاقة بين التاريخ والرواية علاقة تكامل أكثر من كونها تعارضًا. فكلاهما يحاول أن يكتب الزمن، غير أن زاوية النظر تختلف اختلافًا عميقًا. فالمؤرخ ينظر إلى المجتمع من علٍ، إلى البنية الكبرى للدولة والممالك والإمبراطوريات، وإلى التحولات التي تهز أركانها من حروب وصراعات ومعاهدات وانقسامات. إنه يكتب بلغة الوقائع، يحشد الأسماء والتواريخ، ويعتمد على الوثيقة والأثر، لأن غايته أن يقدم صورة عامة للأمة في حركتها الكبرى. وبذلك يصبح التاريخ سجلًا للسلطة، ومرآة للقرارات السياسية والاقتصادية التي صنعت ملامح العصور.
أما الروائي فيسلك دربًا آخر، إذ ينزل من قمة الحدث إلى عمقه الإنساني. لا يعنيه أن يحدد نتيجة معركة بقدر ما يعنيه أن يرسم خوف جندي في ساحة القتال، أو دهشة امرأة وهي تنتظر عودة الغائب. الرواية تُؤرخ لما لا تلتقطه دفاتر المؤرخين: المشاعر، الهموم الصغيرة، الأحلام المجهضة، والتفاصيل اليومية. وإذا كان المؤرخ يتحدث عن آلاف الجنود الذين سقطوا في معركة، فإن الروائي قد يكتفي بجندي واحد، لكنه يجعلنا نراه ونشعر به حتى نكاد نحيا حياته كلها.
وللتوضيح أكثر، يمكن النظر إلى الحروب الصليبية كمثال. المؤرخون يصفون الحملة الرابعة واحتلال القدس وسقوطها، مع ذكر الأسماء والتواريخ والمفاوضات والمعارك. أما الأدباء مثل الشاعر العربي ابن شداد في وصفه للحملة، أو الروايات الغربية التي تناولت الحروب الصليبية لاحقًا، فقد ركزت على الألم الإنساني الذي عاشه المدنيون والجنود، على الخوف من الموت، والحنين إلى الديار، والخيانات والصراعات الداخلية التي لا تظهر في سجلات المؤرخين. هنا يظهر بوضوح أن الرواية والقصيدة تضيف البُعد النفسي والوجداني للحقيقة التاريخية.
كذلك سقوط الأندلس: المؤرخون يكتبون عن آخر ملوك غرناطة، وعن الحروب والمعاهدات، وعن انتقال السلطة إلى الممالك المسيحية. بينما الروائي أو الشاعر يرى في ذلك التاريخ حكاية الإنسان: المرأة التي فقدت زوجها، الطفل الذي أصبح يتيمًا، العائلات التي تهجرت، والأحلام التي تحطمت. الرواية هنا تجعلنا نعيش الحدث لا نكتفي بمعرفته.
التاريخ يُرينا المشهد العام، بينما الرواية تُدخلنا إلى الغرف المغلقة وإلى قلوب البشر. الأول يهتم بالعلني والمثبت بالأسانيد، والثانية تفتش في الخفي والمسكوت عنه. ولهذا فإن ما يكتبه المؤرخ يظل إطارًا خارجيًا للحقيقة، بينما ما يكتبه الروائي يقدّم لنا الجانب الداخلي الذي لا يقل صدقًا، وإن كان مختلفًا في طبيعته.
ولعل الفرق الأوضح هو أن المؤرخ يكتب خارج الإنسان؛ أي يدوّن أفعال الجماعات في صيغتها العامة، أما الروائي فيكتب من داخل الإنسان، فيصور الصراع الخفي بين الرغبة والخوف، بين الأمل واليأس، بين الطموح والانكسار. المؤرخ يمنحنا سيرة الأمم، أما الروائي فيمنحنا سيرة الفرد داخل تلك الأمم.
إن القراءة في كتب التاريخ تمنحنا معرفة بما جرى: من انتصر ومن انهزم، من حكم ومن سقط. لكنها لا تمنحنا دومًا كيف كان الشعور حين وقع ذلك الحدث. أما الرواية فتدخل بنا إلى التجربة نفسها، فنفهم كيف كان وقع الحرب في النفوس، وكيف تحولت الهزيمة إلى وجع داخلي يرافق الناس لعقود، وكيف صار النصر أحيانًا عبئًا على الضعفاء الذين لم يجدوا فيه خلاصًا.
وبهذا المعنى، لا يمكن أن يستغني أحدهما عن الآخر. فالتاريخ يمدنا بالإطار، والرواية تملأ هذا الإطار بالحياة. التاريخ يروي ما حدث، والرواية تكشف كيف عاش الناس ذلك الحدث. وعند التقاء الاثنين تتشكل لنا الصورة الكاملة: صورة المجتمع في شكله الخارجي، وصورة الإنسان في جوهره الداخلي.
إن الأمة التي تقرأ تاريخها فقط ستعرف ما الذي وقع، لكنها قد لا تعرف كيف كان الشعور حين وقع. أما إذا قرأت الرواية، فإنها تدخل التجربة بعمقها الحي، فتفهم كيف نبض القلب تحت وطأة الحدث. ولذلك فإن الرواية ليست عدوًا للتاريخ، بل هي مكمله الإنساني؛ فالمؤرخ يروي ما جرى، والروائي يروي ما أحس به الإنسان وهو يجري.
تعليقات
إرسال تعليق