مابين صمت الليل وصخب الأوراق
في الليل حين يصمت العالم ويعود البشر إلى منازلهم عندما تغلق الأضواء وينتشر الظلام في الأرجاء،تستيقظ الأرواح التي أمتلأت بها بطون الكتب.
وتبدأ المناقشات والسهرة الليلية يظهر سقراط وهو يسخر من السفيسطائيين وأفلاطون وهو يناقش تلاميذه وهناك يجلس سارتر وبوفوار يناقشان أحدهم عن الوجودية.
وفي الزاوية الأخرى المعري يستمتع بتعذيب الشعراء في جهنم برسالة الغفران وفي الجانب الآخر، يخطو ابن رشد بخطوات ثابتة، ينظر إلى أفلاطون ثم يبتسم ابتسامة خفيفة، كأنه يتهيأ لمناظرة لا تنتهي عن الحقيقة والوجود والعقل. يقترب منه الفارابي، فينظر إليه نظرة العارف العتيق، ثم يقول: "ألم أقل لك إن الفلسفة لا تموت؟ ها نحن هنا، في سهرة أبدية لا يقطعها فناء ولا تنهيها سلطة!"
في وسط هذا المشهد، يجلس المتنبي، يعبث بكلماته كمن يمسك بسيفه، يرقب المعري وهو يعذب الشعراء في جحيمه الساخر. يضحك طرفة بن العبد وهو يسأل: "وأين خمري؟ وهل في هذا المجلس ما يليق بي؟" فيجيبه أبو نواس من بعيد: "كل شيء هنا فلسفة، حتى الهوى ذاته صار جدلاً!"
هناك، في زاوية هادئة، يكتب تولستوي صفحات جديدة في "الحرب والسلام"، بينما يراقبه دوستويفسكي بعينين غارقتين في الظلال، يهمس لنفسه: "كل هؤلاء يبحثون عن الحقيقة، لكنهم يخشون الغوص في أعماق النفس كما أفعل."
وما بين كل تلك الجدالات، يمر جلال الدين الرومي، لا يجادل ولا يناقش، بل يرقص وسط الظلام، كأن روحه تذوب في الكون، وكأن الكلمات كلها عاجزة عن وصف ما يراه. خلفه، يقف الحلاج، يتأمل المشهد، يبتسم ثم يهمس: "أين المحبة في كل هذا؟ أليس في الحب وحده تكمن الحقيقة؟"
في زاوية أخرى، يتبادل ماركس ونيتشه النظرات الحادة، كل منهما يحاول إثبات فكرته عن الإنسان والمجتمع، بينما يجلس ابن خلدون يراقبهم جميعًا، يبتسم لنفسه ويكتب ملاحظة جديدة عن طبيعة البشر: "حتى في العالم الآخر، لا زال الإنسان هو الإنسان... صراعاته لا تنتهي."
وهكذا، تستمر السهرة، لا ليل ينتهي، ولا جدال يهدأ، ولا كتاب يُغلق...
تعليقات
إرسال تعليق