دراسة في فن المقامات
قراءة المقامات الأدبية عند بديع الزمان الهمذاني والحريري لا تُقرأ كسردية قصصية خالصة، بل تُقارب بوصفها تحليلًا لغويًا دقيقًا ومركّبًا، تتداخل فيه عناصر البلاغة والنحو والصرف والتراكيب البيانية، فتتحوّل المقامة من مجرد حكاية إلى مختبر لغوي حيّ، وميدان تبارٍ في البيان والفصاحة، ومدوّنة تُجسّد العصر الذهبي للثقافة العربية التي كانت ترى في اللغة تجليًا للهوية والعبقرية والسلطة المعرفية.
فعند النظر في مقامات بديع الزمان الهمذاني – مؤسس هذا الفن – نجد أن غاية النص ليست مجرد تسلية سردية أو بناء حكاية بشخصيات نامية وصراع درامي، بل الهدف الأسمى هو إبراز المهارة اللغوية، وجعل اللغة بطلتها الأولى. فالشخصيات تتكرر، والمواضيع تتشابه، لكن الصياغة دائمًا في تجدد. "عيسى بن هشام" و"أبو الفتح الإسكندري" لا يتغيران كثيرًا من مقامة إلى أخرى، بل يتكرسان كأدوات فنية تسمح للكاتب باستعراض قدراته اللغوية، وصياغة المواقف التي تُفجّر إمكانيات اللغة العربية في الجناس، والسجع، والمقابلة، والتورية، والاقتباس، وغيرها من المحسنات التي كانت معيار الفصاحة آنذاك.
وإذا كان بديع الزمان قد فتح الباب، فإن الحريري وسّع أفق هذا الفن وأوصله إلى ذروة الصنعة. لقد كانت مقامات الحريري، بخاصة عند متلقيها من علماء اللغة وطلاب البيان، نصوصًا تدريبية وتحليلية بامتياز. كان يُنظر إليها لا كحكايات مسلية، بل كنصوص ينبغي الوقوف عند كل لفظ فيها، وتأمل كل تركيب، وفكّ كل تعقيد نحوي، والتأمل في دقة التصوير البلاغي. ولعل هذا ما يجعل الحريري أكثر تعقيدًا من سلفه، إذ بلغ من العناية بالشكل أن طغى هذا الشكل على المضمون. في بعض مقاماته، تزداد كثافة السجع إلى درجة تجعل القارئ ينسى الموضوع، وينشغل بما يشبه الأحاجي اللغوية المتقنة.
ولعلّ هذا هو سرّ المقامة، وسحرها الغامض: إنها ليست حكاية بل تجلٍّ للغة في أبهى صورها، مشغولة بهمّ الترصيع، والتزيين، والإدهاش. ومن هنا، فإن قراءة المقامات تحتاج إلى قارئ من طراز خاص، قارئ يمتلك خلفية لغوية واسعة، وإحاطة بفنون البلاغة، وذوقًا يستمتع بتعقيد العبارة مثلما يستمتع غيره بانسياب الحكاية.
إن المقامة، من هذا المنظور، تنتمي إلى أدب النخبة، لا إلى أدب الشعب، وتخاطب الذائقة العالمة، لا الذائقة العامة. وقد كانت مجالًا لاختبار قدرة الكاتب على التلاعب باللغة، وإبداع الصور، واختلاق الوقائع التي تتيح له أن يقول أكثر مما تتيحه أشكال النثر العادي. فهي لا تهدف إلى نقل الواقع، بقدر ما تهدف إلى تجميله، تزييفه لغويًا، وصياغته بأسلوب يُدهش، ويُربك، ويُمتع عقل المتلقي قبل وجدانه.
ولهذا، فإن التعامل مع المقامة بوصفها مجرد حكاية قصيرة تقود إلى عظة أو نكتة، هو تقزيم لفن عميق ومعقد، تجذّرت فيه أعظم تقاليد العربية في صناعتها اللفظية. هي ليست سردًا بالمعنى الفني الحديث، بل هي بيان مقنّع في هيئة حكاية، تحمل أحيانًا بعض النقد الاجتماعي أو إشارات ساخرة، لكنها تظلّ أولًا وأخيرًا نصًا لغويًا، يُقرأ كما تُقرأ المعاجم، وتُفسر كما تُفسر دواوين البلاغة.
وبهذا يمكن القول إن المقامات، خاصة عند الحريري، تحوّلت إلى ما يشبه القصائد المنثورة المشغولة بالنحت اللفظي، والدقة النحوية، واللعب الأسلوبي. لا يكفي أن تُقرأ، بل يجب أن تُحلل، وأن تُفكّك، وأن يُعاد تركيبها داخل ذائقة لغوية تهوى التحدي وتحتفي بالتعقيد. ولهذا، لم يكن عبثًا أن تُدرّس مقاماته في حلقات النحويين والبلاغيين، لا في مجالس القصاصين أو رواة الأخبار.
إن من يقرأ المقامات بعيون القارئ الحديث الباحث عن تسلسل درامي أو تطور شخصيات أو حبكة تقليدية، قد يخرج بخيبة أمل. أما من يقرأها كتحفة لغوية، كعرض فني لعضلات البيان، كعرض مسرحي للغة ذاتها، فسيجد فيها متعة لا تضاهى، ومتاهة محببة من التلاعب المحكم، والبلاغة المتقنة، والدهشة المصقولة بمبضع الحرف والنحو والذوق العربي العريق.
وإذا ما توغلنا أكثر في بنية المقامة، وجدنا أنها تمثل لحظة اشتباك فريدة بين وظيفة الأدب ووظيفة اللغة، حيث يتخلى النص عن همّه التواصلي البسيط ليصبح ضربًا من الرياضة الذهنية، وعرضًا لغويًا غايته الأولى الإبهار لا الإخبار، الإتقان لا الحدث. فالمقامة ليست وليدة الحاجة إلى الحكاية، بل وليدة التحدي اللغوي بين المبدع والقارئ، حيث يسعى الأول إلى مراوغة الثاني، وتوريطه في متاهة بلاغية تستدعي كل ما في ذهنه من أدوات تحليل وفهم واستيعاب.
واللافت في المقامة أنها تشكّل كذلك صورة مصغرة للمجتمع والثقافة آنذاك، ليس من خلال سردها لحكايات المحتالين والشطار فحسب، بل في تمثيلها لطبيعة العقل العربي في تلك الحقبة؛ العقل الذي يرى في البيان أداة سلطة، وفي اللغة تاجًا للمعرفة، وفي البلاغة ميدانًا للسيادة. وهذا ما يفسر انهماك كتاب المقامات في هندسة جملهم، وصياغة عباراتهم بمنطق الهندسة اللفظية، وكأنهم ينحتون في الصخر. فكلماتهم ليست مجرد وسائط للتعبير، بل أدوات فنية يُعاد تشكيلها من أجل جمالية اللغة ذاتها.
وإذا أردنا أن نقارب المقامة بمنظور النقد الأدبي المعاصر، فسنجد أنفسنا أمام شكل سردي هايبردي (هجيني) يجمع بين ما هو قصصي وما هو شعري، بين ما هو أدبي وما هو نحوي صرف، بين ما هو فكاهي ساخر وما هو نخبوي مغلق. وهذا الهجين هو ما يمنح المقامة خصوصيتها داخل التراث العربي، ويجعلها نصًا يستعصي على التصنيف البسيط. فهي ليست رواية، ولا قصة قصيرة، ولا خطبة، ولا قصيدة نثر، لكنها تحتفظ من كل هذه الأجناس ببعض خصائصها، لتكوّن بذلك فنًا قائمًا بذاته، لا يتكرر بسهولة في تقاليد الشعوب الأخرى.
والمتلقي للمقامة لا يكفيه أن يكون متذوقًا، بل لا بد أن يكون "مشاركًا" في النص، خبيرًا بدهاليز اللغة، مستعدًا لفكّ رموزه، والعودة إلى مظانه، والتمعن في المقاصد المضمرة خلف الزينة الظاهرة. فمقامتا الحريري مثلًا تحفلان بألفاظ محدثة، ومواضع قرآنية محورة، وأمثال عربية قديمة، وألعاب لغوية تُبهر قارئها لكنها تتطلب منه في الوقت ذاته خلفية ثقافية واسعة. ولهذا كانت المقامة نوعًا من الامتحان الثقافي الذي يُبرز فيه الكاتب عضلاته، ويضع قارئه أمام تحدٍ مستمر: أن يفهم، وأن يستمتع، دون أن يضيع في زحام البديع.
إن فن المقامة، إذن، هو شاهد على نزعة الثقافة العربية إلى تقديس اللغة واعتبارها مرآة للذكاء والفطنة. وقد كان لهذا الفن دور محوري في حفظ كثير من الألفاظ المهجورة، والأساليب الرفيعة، وصور البلاغة التي لو لم تُحفظ في المقامات، لاندثرت من الاستعمال. ومن هنا، فإن المقامة ليست مجرد فن للتسلية، بل هي أيضًا سجل لغوي حي، ومرآة للعصر، وأرشيف للبيان، وواحة للتذوق الفني في زمن كانت فيه الفصاحة أقرب إلى أن تكون دينًا لغويًا.
ويجدر بنا في الختام أن نعيد النظر في قراءة هذا الفن اليوم. فبينما يكتفي كثير من القراء المعاصرين بقراءتها على عجل، أو النظر إليها كمجرد نصوص مدرسية قديمة، فإن المقامة جديرة بإعادة الاكتشاف ضمن إطار نقدي جديد، يُعيد لها مكانتها كنصوص لغوية فريدة، تمتحن الذكاء، وتدعو إلى التأمل، وتحتفي بالقدرة البشرية على صوغ اللغة كما يُصاغ الذهب: بإتقان، وصبر، ودهشة.
ولعل هذا ما يفسر بقاء المقامة حتى اليوم: فنًا لا يموت، لأنه ليس مقيدًا بالحدث، بل مرتبط بما هو أسمى وأبقى... بالكلمة.
تعليقات
إرسال تعليق