حرق التراث والأدب
- جريمة المستعمر ضد الهوية والذاكرة-
ليست البنادق وحدها ما استخدمه المستعمر في غزواته المتعاقبة، بل كان له سلاح آخر لا يقل ضراوة: النار. نار أُضرمت في كتب، ومكتبات، ومخطوطات، ونصوص مقدسة، وأشعار منقوشة على جلود، وأمثال محفورة في صدور الرجال والنساء. لم يكن هذا الحريق عابرًا، ولا مجرد عرض جانبي لحروب السيطرة، بل كان هدفًا مركزيًا: إحراق الذاكرة الجمعية لشعبٍ، ومسح هويته، واستبدالها بصورة مصنوعة على مقاس المحتل.
في كل صفحة من صفحات التاريخ، ثمة مكتبة تُحرق، وثقافة تُطمر، وكاتب يُسكَت إلى الأبد. حين غزا الإسبان حضارة الأزتك والمايا، لم يكتفوا بإسقاط المعابد والقصور، بل جمعوا كتبهم المقدسة وأضرموا فيها النار، معتبرين إياها "وثنية". وفي الجزائر، عندما وطأ الاستعمار الفرنسي أرضها، بدأ بتدمير الزوايا والمكتبات، وصادر المخطوطات الإسلامية والعربية التي كانت تزخر بها البلاد، محاولًا تمزيق الحبل السري الذي يربط الشعب الجزائري بهويته الإسلامية والعربية. ولم تكن مصر بمعزل عن ذلك، ولا العراق، التي شهدت في العصر الحديث، أثناء الغزو الأميركي، إحراق المكتبة الوطنية ونهب كنوز معرفية لا تُقدّر بثمن، في مشهد يكاد يُبكي التاريخ نفسه.
لكن الاستعمار في أبشع صوره تجسّد في نسخته الأخيرة، الاستعمار الصهيوني لفلسطين. فهنا لم يكن الحريق رمزيًا فحسب، بل ممنهجًا ومخططًا بعناية. عشرات القرى الفلسطينية أُبيدت، ومكتباتٌ عائلية ووقفية نُهبت أو أُحرقت، والكتب التي دوّنت حياة الفلسطينيين قبل النكبة سُرقت أو طُمست، بل وصل الأمر إلى إعدام الأدب المقاوم ومطاردته في كل بيت. حتى الأغنية الشعبية الفلسطينية وذاكرة القصص الشفوية، حاول الاحتلال خنقها، وتقديم روايته الزائفة مكانها.
مكتبة المسجد الأقصى أُحرقت، ومخطوطات تاريخية عمرها مئات السنين اختفت، وأماكن أثرية تم طمس معالمها، وكل ذلك كان جزءًا من محاولة ممنهجة لطمس هوية فلسطين الثقافية، وتحويل الأرض من "وطن له تاريخ" إلى "أرض بلا شعب"، كما زعمت سرديتهم الخبيثة.
التراث والأدب ليسا مجرد ماضٍ نُقل إلى الحاضر، بل هما هوية حية، ينبض بها وجدان الشعوب. الأدب يسرد القصة التي لم تُكتب في كتب المنتصر، ويمنح للشعوب المغلوبة صوتًا لا يموت. أما التراث، فهو الذاكرة التي تخزن الحكمة، والخبرة، واللغة، والعقيدة، وكل ما يصوغ كينونة الإنسان. وحين يقرر المستعمر إحراق هذا التراث، فإنه لا يكتفي باغتصاب الأرض، بل يسعى إلى اغتصاب الذات، لينشئ نسخة جديدة من الإنسان، منسلخة من ماضيها، سهلة التشكيل.
إن حرق التراث فعلٌ يحمل في طياته رمزية مدمرة: هو إعلان صريح بأن هذا الإنسان لا يستحق ذاكرته، ولا يجب أن يعرف من كان، ولا ما الذي كان يؤمن به، ولا كيف كان يُعبّر عن نفسه. إنه قتلٌ معنويّ، يُفضي إلى استلاب ثقافي لا يُرى بسهولة، لكنه يدوم طويلًا.
ولعل السؤال الأهم اليوم: كيف نُعيد ترميم ذاكرتنا بعد كل هذا الحرق؟ كيف نُحيي الأدب الذي مات حرقًا؟ إن الرد على نار المستعمر لا يكون بالحسرة فقط، بل بإحياء التراث، بجمع ما تبقى من الرماد، وبناء مكتبات من جديد، وكتابة الروايات والقصائد والمسرحيات التي تقول: نحن هنا، لم نحترق، بل أعدنا إشعال نورنا من رماد كتبنا.
في النهاية، تبقى الشعوب الحيّة قادرة على مقاومة النسيان. وإن أُحرقت الكتب، فالصوت البشري لا يُحرق. سيظل يروي، يُغنّي، يحكي، ويكتب. لأن ما لا يُكتب يُنسى، وما يُحرق يُعاد تدوينه، وما تمحوه النار، تُحييه الكلمة.
تعليقات
إرسال تعليق