آخر العشاق النبلاء
تبدّى لنا الهلال متلحفًا بالسحب، يغري بحسنه، ويلقي بتلك الابتسامة الساحرة، كأنه حارس الليل الذي يرعى العشاق، يحميهم من أعين لا تفقه معنى الهوى، تلك العيون التي تختلس النظرات علّها تبصر في هذا العصر الحديث أمثولة جديدة لقيسٍ وليلى. ولكن هذه المرة، ليست في ربى نجد، بل في أرض الحجاز، حيث كانت الأزمنة الغابرة تحتضن المحبين، وتُفسح لهم مجالًا بين جبالها ووديانها، فلا غريب أن يكون الحجاز مهد العشق، فقد نبت بين ورودها وردٌ لم يذبل مع الأيام، بل كلما امتدت به القرون ازداد عطره أريجًا، وفاح عبيره مع كل نسمة تهب من الطائف، ومع كل تغريدة بلبل على أغصانها المائلة حنينًا.
ذلك العطر هو صدى صوت عمر بن أبي ربيعة، الهائم في طرقات الحجاز، يسعى إلى كشف ذاته من خلال انعكاسها في أعين محبوباته. كان فتى قريش الذي سما بشعره، حتى صار كالنبت الذي لا صيف له ولا شتاء، يحصده الناس دهورًا ولا يفنى، ويشتهيه كل من ذاق حلاوته وتغلغل في أنغامه. لم يبرح عمر البطحاء يومًا، كأنه لا يزال ينشد قصائده في موسم الحج، كلما لاح له طيف حسناواته اللاتي أسرن قلبه، حتى صار غناؤه لهن موسيقى خالدة، ترددها الجبال في أودية الحجاز، كلما سكب الطائف وجدًا على خدود الأودية، وكلما تشابكت الأغصان في حضن الريح.
لكن هل كان عمر كاذبًا في هواه؟ أكان متصنعًا حينما هام في دروب مكة والطائف يقتفي أثر الغيد الحسان؟ لا، بل كان غزالًا شاردًا، يتبع بقلبه خطوات الظباء، ينشدهن بصوته، يعرفهن بنفسه، فيتبعنه، لكن إلى سراب لا يدري منتهاه. كان يكتفي بأنهن يسرن خلفه، متبخترًا بين أقرانه، وهو ينشد بفخر:
بَينَما يَذكُرنَني أَبصَرنَني
دونَ قَيدِ المَيلِ يَعدو بي الأَغَر
قالَتِ الكُبرى أَتَعرِفنَ الفَتى
قالَتِ الوُسطى نَعَم هَذا عُمَر
قالَتِ الصُغرى وَقَد تَيَّمتُها
قَد عَرَفناهُ وَهَل يَخفى القَمَر
لم يكن عمر مجرد شاعر يتغزل بالنساء، بل كان معلمًا للغزل ذاته، رسم للحب صورًا لم تألفها العرب قبله، إذ لم يكتفِ بأن يكون العاشق هو المتحدث، بل جعل النساء يبدين إعجابهن به علنًا، يعترفن بفتنته كما يعترف القمر بالنور. ففي زمانه، لم يكن مألوفًا أن تتغزل النساء بالرجال، كما هو شائع في عصورنا الحديثة التي انسلت فيها القيم، وانهارت معها معاني الأنوثة والرجولة، فذاب الفارق بين العاشق والمعشوق، حتى تلاشت الملامح الطبيعية للكيان البشري، وغدا الهوى مقلوبًا، فاقدًا لمعناه الأصيل.
كان عمر بن أبي ربيعة آخر العشاق النبلاء، آخر من صدحت به مكة حين كانت مأوى للحب العفيف، وآخر من جعل الشعر مرآة للوجد الإنساني، لا مجرد كلمات تُلقى في الفراغ. وحتى بعد قرون طويلة، لا يزال صدى صوته يتردد بين جبال الحجاز، وكأن الزمن لم يستطع أن يطفئ شعلته، ولم يستطع المحبون أن يجدوا فيمن جاء بعده صورةً تضاهي سحره.
تعليقات
إرسال تعليق