ولادة الوجودية
لقد زرع الفيلسوف الدنماركي سورين كيركيجارد بذور أفكاره في كتبه، ولا سيما عمله الرئيسي إما/أو، الذي مهد الطريق للتيار الوجودي في العالم، فكان صانع الفكرة أو مهذبها، وناظمها في سطور مترابطة تستكشف أعماق الذات الإنسانية.
لم تكن هذه الفلسفة وليدة لحظة، بل كانت قشورها مبعثرة في تأملات الحكماء، وأحلام الشعراء، ونثر الأدباء الذين لمسوا جوهر القلق الإنساني قبل أن تتبلور كمنهج فلسفي متكامل. طرح سقراط بعض أفكارها في حواراته مع مواطنيه في أثينا، حينما جعل التساؤل عن الحقيقة والوجود محورًا لحياته. أما باسكال، فقد سطر أحرفها في خواطره، حيث التقى الشك بالإيمان، والقلق الإنساني بالمطلق الإلهي. في حين رسم شكسبير ملامحها في مسرحياته، حيث كانت شخصياته تحيا صراعًا وجوديًا بين المصير والاختيار، بين الواجب والرغبة، بين العبث والمعنى.
ثم جاء أوغسطين ليؤسس أركانها ويعلي من بنائها، إذ كانت تلك الأفكار إحدى اللبنات التي قامت عليها مدينته الفاضلة، حيث التقى العقل بالإيمان، وتجلى الصراع بين الإرادة الإلهية والحرية البشرية. لكن كيركيجارد هو من أعاد صياغتها، فجعلها فلسفة قائمة بذاتها، فلسفة تضع الإنسان وجهًا لوجه مع حريته، مع قلقه، مع قدرته على الاختيار، في عالم لا يمنحه يقينًا جاهزًا، بل يتركه في مجابهة دائمة مع ذاته.
وهكذا، تشكلت الفلسفة الوجودية كدعوة للتحرر من القوالب الجاهزة، وتحمل مسؤولية الذات، والسير في دروب الحياة دون يقين، سوى ذلك اليقين الذي ينبع من قرار الفرد واختياره الشخصي.
لقد جاءت الفلسفة الوجودية، كما أعاد كيركيجارد صياغتها، بوصفها صرخة ضد التقاليد الموروثة، وضد استكانة الإنسان للأنظمة الفكرية الجاهزة. كان يرى أن الفرد لا يمكنه العثور على ذاته الحقيقية إلا من خلال التجربة الشخصية والاختيار الحر، حتى وإن كان هذا الاختيار محفوفًا بالقلق واللايقين. فالإنسان، في نظره، ليس كائنًا مكتملًا، بل هو مشروع في طور التكوين، يتحقق من خلال خياراته، ويتحدد مصيره وفقًا للقرارات التي يتخذها.
لكن هذه الفلسفة لم تبقَ مجرد أفكار في عقول الفلاسفة، بل تجلت في الأدب والفن، وفي صراعات الإنسان اليومية. فقد رأى دوستويفسكي في شخصياته، خاصة في الجريمة والعقاب والأخوة كارامازوف، كيف يمكن للفرد أن يصطدم بوجوده، وكيف يصبح الاختيار الحر عبئًا ثقيلًا يفضي إلى الندم أو التوبة أو الجنون. كما جاء نيتشه ليكمل هذه السردية، رافعًا لواء "إرادة القوة"، ليعلن موت الإله التقليدي، وليضع الإنسان في مواجهة مصيره، دون سند سوى إرادته الخاصة.
ثم ازدهرت هذه الفكرة في القرن العشرين، على يد سارتر وهايدغر وكامو، فكان لكل منهم بصمته الخاصة. رأى سارتر أن الإنسان محكوم عليه بالحرية، وأنه مسؤول عن ذاته وعن العالم الذي يصنعه. بينما تأمل هايدغر في الكينونة نفسها، في معنى الوجود، وفي الزمن الذي يطارد الإنسان، فيجعل حياته سلسلة من القرارات التي لا مهرب منها. أما كامو، فقد صاغ الوجودية في شكل عبثي، إذ رأى أن الإنسان يعيش في عالم بلا معنى، لكنه رغم ذلك يستمر في التمرد على هذا العبث، كما فعل سيزيف حينما ظل يدحرج صخرته إلى الأبد.
وهكذا، لم تعد الفلسفة الوجودية مجرد نظريات، بل صارت مرآة لحياة الإنسان الحديث، ذلك الإنسان الذي وجد نفسه وحيدًا في عالم يفتقر إلى اليقين، مطالبًا بأن يخلق معناه بنفسه، وأن يتحمل مسؤولية ذاته، حتى وإن كان الثمن هو القلق والضياع. إنها فلسفة البحث الدائم، والشك المستمر، والمواجهة الصريحة مع الوجود بكل تجلياته.
تعليقات
إرسال تعليق