غموض الكتابة وأسرارها

أردت الكتابة ليس لأمر عظيم وإنما كتبت هذه السطور حتى أرى وأقرأ ماسيميله هذا القلم الذي أجريته على تلك الأوراق ها أنت ذا تمضي بالقلم فوق هذا الفراغ من خلال هذا البياض، لا لغاية محددة تصبو إليها، ولا لأمر عظيم تخطط له، بل تترك له حرية الامتداد والانسياب والابحار، علّه أن يبوح لك ويحدثك عن نفسك عن أشياء ربما لم تكن تظن بأنك تحملها في داخلك في عوالمك المنسية تلك المتراكمة عبر السنين في أرشيفك المهمل في الذاكرة المبهمة .

ما أعجب هذا القلم! وما أعظم نفوذه وسلطته تظن أنك أنت الذي تمسك به، لكنك سرعان ما تدرك أنه هو من يتشبث بك، ويستخرج منك أفكارك ويسحبك نحو عوالمه التي لم تكن قد قررتها وابتكرتها، ينسج لك أفكارًا هي منك لكنها لم تخطر لك على بال، ويعيد تشكيل رؤاك من جديد على الورق وكأنك تقرأ ذاتك للمرة الأولى بمتعة اكتشاف شيء جديد.

تكتب لا لتبلغ هدفًا واضحًا، بل لأن الكتابة نفسها هي الغاية غايتك نحو ذاتك وغايتك نحو وضوح وإيضاح أفكارك، لأن كل سطر تخطه يسقط من روحك خلسة دون أن تلحظه يفضي بك إلى سطر آخر، وكل كلمة تتنفسها سطورك تفتح لك بابًا كان مغلقًا في زاوية روحك ومتاهات عقلك. ربما تكتب بحثًا عن صوتك وسط الضجيج الذي يحيط بك ، أو لأنك أدركت أن الحبر ربما يكون أرفع وأنفع من الكلام العابر عبر الشفاه، وربما لأن تلك الورقة التي تحفر عليها مدادك أكثر صبرًا من أذان تسمع ولا تعي وتدرك عباراتك.

فاستمر ياصديقي في الكتابة، لا تتوقف عند البحث عن الأسباب والماورائيات التي تقف خلفها، ولا تنتظر عظيم الأمور حتى تمضي في مسالكها، فربما كانت العَظَمة الحقيقية في تلك التفاصيل الصغيرة التي تبثها على الورق دون تكلف، في ذلك الخط العفوي الذي يقودك إلى اكتشاف ذاتك، حرفًا بعد حرف، كلمة بعد كلمة، حتى تجد في النهاية أنك سكبت ذاتك بعفوية ووثقت روحك في تلك الصفحات دون أن تعي أو دون وعي مباشرًا منك.


 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نقد المنطق

الوجه المظلم للمثقف

إخوان الصفا