عوالم بورخيس

‏قصص بورخيس عجيبة كأن لها رأس منفصل عن الجسد أو أن قصصه تمثلت الأسطورة اليونانية القديمة التي كان لها رأس بشر وجسد خيل، نصف العمل مقال ونصفه الأخر قصة لاتدري متى يبدأ الخيال ومتى ينتهي الواقع.


وكأن قصصه ولدت في نقطة التقاء الحلم باليقظة، حيث تتشابك المفاهيم كمتاهة بورخيسية لا مخرج منها، إذ لا تعرف إن كنت تسير في درب الحقيقة أم تضل طريقك في عالم متخيل. تقرأ فتجد نفسك في مكتبة بابل، حيث الكتب تتكاثر إلى ما لا نهاية، أو في حكاية رجلٍ يكتشف أن الزمن ليس إلا دائرة تكرر نفسها بلا توقف، فتتساءل: هل أنا القارئ أم أنا جزء من الحكاية؟

في قصصه، تستحيل الفلسفة إلى حبكة، والمقالة إلى حكاية، والمجاز إلى واقع ملموس. كأن الكتابة عنده ليست مجرد فن، بل لعبة مرايا يعكس كل سطح فيها صورةً لا نهائية للأفكار. وعند نقطة ما، تدرك أن بورخيس لا يروي قصة بقدر ما يصوغ كونًا جديدًا، كونًا يولد من الكلمات، لكنه أكثر واقعية من الواقع نفسه.


وكأن القارئ حين يطالع أعماله، يجد نفسه متورطًا في لعبة فكرية، أشبه بحلمٍ قديمٍ نسي صاحبه كيف بدأ لكنه يعي تمامًا أنه لم ينتهِ بعد. كل قصة عند بورخيس ليست مجرد سردٍ بسيط، بل شبكة متاهية من الرموز، حيث كل حدث يلمح إلى آخر، وكل فكرة هي مرآة تعكس فكرة أخرى في سلسلة لا تنتهي من الانعكاسات.

قد يبدأ النص كبحثٍ في التاريخ، بسرد دقيق للأسماء والتواريخ والمخطوطات الضائعة، ثم فجأة، ومن دون إعلان، يجد القارئ نفسه في قلب أسطورة لم تحدث أبدًا، لكنها تبدو مألوفة كأنها ذكرى من حياةٍ سابقة. في كتاباته، يمكن أن يكون الشخص الواحد رجلًا واحدًا وملايين الرجال في الوقت نفسه، يمكن أن تكون المتاهة مكانًا ماديًا أو فكرةً في عقل فيلسوف، ويمكن أن يكون النص المكتوب قد كُتب من قبل، في كتابٍ قديمٍ لم يقرأه أحد، لكنه ظلّ ينتظر من يعثر عليه ليكتبه من جديد.

إنه ذلك الشعور الذي يخلقه بورخيس في قارئه، حيث يقرأ القصة، لكنه في الحقيقة يعيد قراءتها، كأنها موجودة منذ الأزل في وعيه، كأنها حلم تكرر مرارًا، أو حقيقةٌ ضاعت في ثنايا الاحتمالات اللانهائية.


وكأن القارئ، حين يغوص في عوالم بورخيس، يخطو إلى فضاء غير مألوف لكنه مألوف في الوقت ذاته، حيث تتداخل الأزمنة وتتكرر الذكريات كأنها نصوص منسوخة من مخطوطة قديمة كُتبت قبل أن يوجد الزمن نفسه. فجأة، يجد نفسه في حوار مع كائنٍ قد يكون إنسانًا وقد يكون انعكاسًا لصورة نُسيت في مرآة، يسمع صوتًا لا يدري أهو صدى أفكاره أم أنه بقايا سردٍ قديم لم يُكمل بعد.

في لحظةٍ ما، يدرك القارئ أنه لم يعد مجرد متلقٍّ سلبي، بل تحول إلى جزءٍ من المتاهة. ربما كان يسير منذ البداية داخل مكتبةٍ بلا حدود، حيث كل كتابٍ هو تكرار لكتابٍ آخر، وحيث القصص ليست سوى أشكالٍ مختلفة لقصةٍ واحدة تُعاد صياغتها بطرقٍ لا نهائية. يقرأ عن رجلٍ يبحث عن معنى في نصٍ غامض، لكنه فجأة يدرك أنه هو ذلك الرجل، وأن النص الذي يحاول فك شفرته هو النص الذي يقرؤه الآن، وأن المؤلف، ربما، لم يكن سوى قارئ آخر ضاع في الحكاية.

ثم، كما يحدث دائمًا مع بورخيس، لا تنتهي القصة بل تفتح بابًا جديدًا، بابًا يؤدي إلى ممرٍ آخر في المتاهة، حيث تبدأ القصة ذاتها من جديد، ولكن في زمنٍ آخر، وربما في ذهن قارئٍ آخر لم يولد بعد، لكنه حين يقرأ سيعرف أنه كان هنا من قبل.





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نقد المنطق

الوجه المظلم للمثقف

إخوان الصفا