ملهم الشعراء


يعتقد فيكتور هوغو أن الشعراء العظام يسكنون هناك في قمة الحلم وذروة سلم الحلم تتسلق الكائنات المجنحة إنها المخلوقات الخفية الخاصة بالشاعر الذي يبصرها في غبش تلافيف مخه آخذة طريقها نحو الضياء.

هذه الحالة الرومانتيكة في علاقة الشعراء مع المخلوقات الخفية عن البشر أدركها العرب وابتكرت حولها الحكايات فقد أعتقد العرب في الجاهلية أن (وادي عبقر) مسكن الشعراء من الجن وكانت تسكنه من زمن سحيق.

وادي عبقر، هذا المكان الأسطوري الذي نسجت حوله العرب حكاياتهم القديمة، ظل رمزًا غامضًا لعلاقة الشاعر بعالم غير مرئي، عالم يفيض بالإلهام والجنون في آنٍ معًا. كانت العرب ترى أن من أمسى ليلة في هذا الوادي، عاد منه شاعراً تنبض كلماته بسحر لا يضاهى، أو عاد مجنونًا هامسًا بكلمات لا يدركها غيره. وكأن الشعر نفسه كان بابًا إلى الغيب، لا يُفتح إلا لمن تهيأت له الروح لاستقبال الوحي الشعري من كائنات خفية لا يراها سواه.

لم يكن وادي عبقر مجرد أسطورة تُروى للتسلية، بل كان تفسيرًا للعرب لما رأوه من عبقرية شعرية خارقة لدى بعض الشعراء، فلا عجب أن ارتبطت أسماؤهم بقرناء من الجن يُقال إنهم أوحوا إليهم بأعظم القصائد. كان امرؤ القيس يزعم أن "لافظ بن لاحظ" هو رفيقه الخفي الذي يمده بمعانيه العميقة وصوره البديعة، فيما كان النابغة الذبياني يستعين بـ"هاذر بن ماهر" الذي يهمس له بأبياته قبل أن ينطق بها. أما الأعشى، فقد كان يصاحب "مسحل السكران بن جندل"، وكأنه نافذته إلى عوالم لا يطأها البشر العاديون.

كان وادي عبقر رمزًا لعلاقة الشعراء بالقوى الغيبية، بل كان في نظر العرب تفسيرًا للعبقرية نفسها. فالشاعر الذي يمتلك موهبة خارقة لم يكن مجرد إنسان عادي اجتهد في نظم الكلمات، بل كان وسيطًا بين العالمين، كائنًا مختارًا من قبل سكان الوادي السحري، الذين يودعون في صدره الأسرار الشعرية قبل أن يلقيها على مسامع البشر.

لم تكن هذه الأساطير مجرد خرافات جامدة، بل كانت تعبيرًا عن فهم العرب العميق لطبيعة الإبداع الشعري، ذلك الإبداع الذي يبدو وكأنه يأتي من مكان آخر، من عالم يتجاوز الحواس والمنطق. وكأنما كانت العبقرية في نظرهم هبة تُمنح ولا تُكتسب، تُختار لها الأرواح قبل أن تسكن الجسد، فإن لم يتحملها صاحبها، استحالت عليه لعنة تدفعه إلى الجنون.

وهكذا بقي وادي عبقر حاضرًا في المخيلة العربية، ليس فقط كحكاية تروى عن الشعراء، بل كمفهوم متجذر في الوعي الجمعي عن طبيعة العبقرية، تلك القوة الغامضة التي ترفع الإنسان فوق العالم المألوف، فتجعله إما شاعرًا خلاقًا أو مجنونًا هائمًا في دروب لا يدركها سواه.


عبر الأمم المختلفة، تشكلت الأساطير حول الإلهام الشعري والعلاقة بين العبقرية وقوى غامضة تفوق إدراك البشر. في كل ثقافة، كان للشاعر نافذة خفية تطل على عالم آخر، حيث تقيم الكائنات غير المرئية التي تمنح الوحي لمن اختارته. لم يكن العرب وحدهم الذين تصوروا وادي عبقر، بل امتلكت الحضارات الأخرى مفاهيم مماثلة، حيث تجسد الإبداع في هيئة كيانات ماورائية، لا يُرى أثرها إلا في الكلمات التي تخرج من أفواه الشعراء كالسحر.

في اليونان القديمة، كان الشعراء والفنانون يتحدثون عن "الميوزات"، تسع آلهات للإلهام، كانت كل واحدة منهن مسؤولة عن فن من الفنون. كان هوميروس، ذلك الشاعر الضرير الذي صاغ "الإلياذة" و"الأوديسة"، يبتدئ قصائده بطلب العون من "كاليوب"، ربة الشعر الملحمي. لم يكن الشاعر في الثقافة الإغريقية مجرد إنسان يكتب، بل كان وسيطًا بين العالم الإلهي والبشر، يُلهم لا بإرادته، بل بفيض من القوى العليا التي تختار من تشاء. كانت "الميوزات" تظهر في لحظات التأمل، تهمس بالأبيات في أذن الشاعر كما كان يهمس لافظ بن لاحظ في أذن امرئ القيس، وكأنما الإبداع لم يكن نتاج عقل بشري بحت، بل قبس من عالم لا يُدرك إلا بالحدس.

أما في الحضارة الإسكندنافية، فقد كان للشاعر نصيب من السحر أيضاً، لكنه لم يكن وحيًا لطيفًا كما هو عند الإغريق، بل كان نابعًا من مشروب سحري يعرف باسم "شراب الشعر"، الذي صُنع من دم الإله كفاسير، حكيم الآلهة الذي قتله الأقزام ليصوغوا من دمه نبيذًا يمنح من يشربه قدرة خارقة على النظم والتعبير. كانت الأسطورة تقول إن أودين، الإله الحكيم، سرق هذا الشراب وسقاه لمن استحق موهبة الشعر، فكان الشاعر أشبه بساحر، كلماته تُحفظ كما تُحفظ التعاويذ، وصوته يصدح كأنه صوت الآلهة أنفسهم. لم يكن الشعر في تلك الحضارة مجرد صنعة، بل كان هدية نادرة، لا يصل إليها إلا من حمل سر المعرفة القديمة في دمه.

أما في الهند، فقد كان الإله براهما هو مانح الشعر، وكان الفيدا، الكتاب المقدس للأدب السنسكريتي، يُعتقد أنه أنزل على الحكماء بوحي إلهي. لم يكن الشاعر في الهند مجرد إنسان عادي، بل كان "ريشي"، نبيًا يحمل في صوته حكمة الكون، وكأن الكائنات السماوية تضع كلماتها في فمه ليحملها إلى البشر. كانت الملحمة الهندية "المهابهاراتا" تروي كيف أن الشاعر "فالمِكي" لم يكتب أول بيت شعري في حياته إلا بعدما شهد مشهدًا صادمًا، حيث قتل صيادٌ طائرًا كان يحلق مع أنثاه، فأطلق فالمِكي كلماته بتلقائية، وكأنه لم يكن هو من ألفها، بل خرجت من داخله دون وعي، كما لو أن قوة غيبية تحركت بداخله لتسكب أول قصيدة في التاريخ الهندي.

في أوروبا العصور الوسطى، لم يكن الشعر مجرد فن، بل كان شعيرة مقدسة. في بعض الثقافات، كان يُعتقد أن الشعراء مرتبطون بالجن، تمامًا كما في أسطورة وادي عبقر. في بريطانيا، كان الشاعر الشهير جيفري تشوسر يروي كيف أن "الجن" يعيشون في الغابات، يهمسون للشعراء بالحكايات التي تتجاوز المنطق البشري. أما في فرنسا، فقد آمن البعض بأن الشعراء لم يكونوا يكتبون بإرادتهم، بل تحت تأثير أرواح قديمة تهمس لهم بأسرار الماضي. حتى في أيسلندا، كانت القصائد تُكتب بلغة معقدة تدعى "كنينغار"، يُعتقد أنها ليست من صنع البشر، بل من صنع كائنات غامضة لا تُرى، تشبه تلك التي سكنت وادي عبقر.

في إفريقيا، حيث كان الشعر يُغنى قبل أن يُكتب، كان للشاعر دور السحر نفسه، لكنه لم يكن منفصلاً عن العالم كما في الثقافات الأخرى، بل كان وسيطًا بين الأحياء والأموات. في قبائل الزولو، كان يُقال إن الشاعر الحقيقي لا يتحدث بصوته، بل بصوت أسلافه، فهو لا يخترع الكلمات، بل ينقل ما سمعه في عالم الأرواح. في غرب إفريقيا، كانت أسطورة "الجريوت" تجعل من الشاعر حافظًا للذاكرة الجمعية، إذ قيل إن الروح التي تمنح الإلهام ليست مجرد كائن مجهول، بل هي روح الجد الأول الذي يستمر في التحدث عبر الأحفاد، فلا يموت طالما هناك من يحفظ كلماته وينشدها.

وهكذا، تكررت الفكرة ذاتها بأسماء وصور مختلفة، لكن جوهرها ظل واحدًا: لم يكن الشعر مجرد صنعة أو مهارة، بل كان تواصلاً مع الماوراء، تجليًا لقوى خفية تسكن وراء العيون، تهمس لمن اختارته، وتتركه بين حالتين لا ثالث لهما: شاعر يملأ الدنيا إبداعًا، أو مجنون تتردد في رأسه الأصوات التي لا يسمعها سواه.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نقد المنطق

الوجه المظلم للمثقف

إخوان الصفا