تعويذة الأدب

السفر عبر الزمن ممكن من الناحية العملية - ستيفن هوكينغ

"عبور الزمن من خلال سحر القراءة ".

حينما تقرأ، فأنت لا تقوم بعملية عقلية جامدة، بل تعيش تجربة سحرية خارقة تجعلك تتحاور مع عقول قد غادرت الدنيا منذ قرون، وتجالس رجالًا ونساءً لم يُكتب لك لقاؤهم، لكن كلماتهم تتجدد كلما مررت بعينيك على سطورها، فتبعث من جديد، نابضة بالحياة، كأن الزمن لم يمضِ بها إلى زوايا النسيان. كل كتاب تمسك به هو بوابة تفتح على عالم مختلف، وحين تنهمك في قراءته، تجد نفسك تتنقل بين أزمنة وأمكنة متباعدة، تجلس في مجلس الفلاسفة، وتحاور الشعراء، وتنصت للمؤرخين وهم يروون لك حكايات الأمس البعيد كأنها تحدث أمامك الآن.

ليس الأمر مجرد حروف على ورق، بل هو لقاء روحي بينك وبين من كتب هذه الكلمات. حين تمضي بين السطور، تجد الأحرف تتحرك وتتراقص، تحمل أنفاس كاتبها، تنبض بأفكاره، تنقل لك حيرته وتساؤلاته، بل حتى لحظات تأمله وصمته. كأنك استدعيته من مرقده التليد، فنفض عن كتفيه غبار الزمن، وجلس أمامك، ينظر إليك بعينين تلمعان بالشغف، يحدثك بوضوح، يروي لك أفكاره، يفسر لك غوامضها، يكشف لك ما خفي من بواطنها، يحاورك دون كلل أو ملل، متحمسًا لأن تجد في كلماته ما يفتح لك أبواب الفهم والتأمل.

لا يمكننا أن نحضر مجلس سيف الدولة ونحن نرى المتنبي يقف شامخًا، يلقي قصيدته الجديدة بعد انتصار سيف الدولة في دحض الروم، ولا يمكننا أن نسير في طرقات أثينا لنسمع هوميروس وهو ينشد ملاحمه العظيمة في أودية الإغريق، ولا أن نجلس في أكاديمية أفلاطون، نصغي لدروسه العميقة عن العدالة والمجتمع، ولا أن نرافق أرسطو بين تلاميذه وهو يشرح لهم نظرياته في المنطق والطبيعة والوجود. لا يمكننا أن نحضر إلى مجلس شيخ المعرة، وهو يغوص في تأملاته الفلسفية العميقة عن الحياة والموت، ولا أن نشهد سوق عكاظ حين وقف النابغة الذبياني بين الخنساء وحسان، يفصل في تنافسهما الشعري بحكمة ودهاء.

لكن، ثمة تعويذة واحدة قادرة على أن تحقق لنا هذه المعجزات جميعًا، أن تفتح لنا نوافذ على العصور الماضية، أن تجعلنا نسمع أصواتًا خفتت منذ مئات السنين، أن نرى وجوهًا رحلت عن الدنيا، وأن نحضر حوارات جرت في أماكن لا وجود لها اليوم إلا في ذاكرة التاريخ. هذه التعويذة ليست إلا القراءة.

القراءة هي المفتاح الذي يفتح لنا كل الأبواب، هي الزمن الذي لا يُهزم، والمسافة التي لا تُقاس، والجسر الذي لا يُهدم. بها نستطيع أن نعود إلى القرون الخالية، أن نعيش لحظاتها بكل تفاصيلها، أن نرى الملوك وهم يتوجون، والشعراء وهم ينشدون، والفلاسفة وهم يناقشون، والعلماء وهم يكتشفون. القراءة وحدها تجعلنا نعيش الماضي كأنه حاضر، وتضع بين أيدينا ثروات فكرية لا تقدر بثمن، وتمنحنا فرصة أن نحاور أعظم العقول، أن نستمع إليهم، أن نسألهم، بل أن نختلف معهم ونناقشهم، وكأنهم يجلسون أمامنا أحياء.

والآن، اسمحوا لي أن أغادركم للحظات، فقد تلقيت لتوّي دعوة خاصة من ميشيل دي مونتين في مدينة بوردو الفرنسية، حيث سأجلس معه، أستمع إلى تأملاته الفريدة عن الحياة، وأحاوره في فلسفته التي عبرت العصور، وسأعود إليكم محملًا بأفكار جديدة، كما تفعل القراءة دائمًا، حين تعيدنا إلى الواقع بعيون أوسع ومدارك أعمق وروح أكثر امتلاءً بالحياة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نقد المنطق

الوجه المظلم للمثقف

إخوان الصفا